عماد الدين خليل
38
المستشرقون والسيرة النبوية
العربي عن أن يجمع شتات القبائل المتفرّقة قد سمح له أن يخضع لدينه القبيلة تلو الآخرى ، وأن ينتصر عليهم بكلّ وسيلة ، فتارة بالقوّة والقهر ، وتارة بالمحالفات الودّية والوسائل السلمية » « 1 » . وعلى الرغم من أن العديد من أبناء هذه الطبقة من المستشرقين كشفوا بتعمقهم ونفاذهم وإحاطتهم - النقاب عن بعض الجوانب المضطربة الغامضة في تاريخنا الإسلاميّ عامة بما فيه سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أنهم بأخطائهم المنهجيّة التي عرضنا لبعض أنماطها ، طرحوا الكثير من النتائج والآراء الخاطئة على مستوى الموضوع . وهذا أمر طبيعي ، فالخطأ لا ينتج إلا الخطأ ، والبعد عن الموضوعيّة لا يقود إلا إلى نتائج لا تحمل من روح العلم والجدية إلا قليلا . ولن يتحمّل بحث موجز كهذا عرض وتحليل ومناقشة هذه الآراء والنتائج ؛ فلهذا كلّه مجال آخر ، وليس من نافلة القول الإشارة إلى أن هذه الآراء تمثل حصادا ضخما يمكن أن يجنيه كل دارس بتأنّ وروية لما كتبه هؤلاء المستشرقون عن حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو حصاد يحمل في ثناياه كما رأينا عناصر تناقضه واضطرابه وخروجه على البحث العلمي المنهجي الدقيق . ولكن القوم ، إذا توخّينا الحكم الدقيق ، ليسوا كلهم سواء ؛ فقد شذّ عنهم بعض المستشرقين - ولكل قاعدة شواذ - وبالرغم من قلة هؤلاء بالنسبة للتيار الأوسع والأثقل ، فإن صوتهم لم يضع ، وقد مارسوا كشفا نقديا طيبا للكثير من أعمال رفاقهم في البحث ، وألقوا الضوء على الثغرات والمطبّات التي وقعوا فيها . . وقد عرضنا لبعض مواقف هؤلاء : دينيه ، وات ، درمنغهم ، أرنولد . . على الرغم من أن هؤلاء أنفسهم ما كانت رؤيتهم تصل أبدا درجة النقاء العلمي المطلوب ، فهذا الأمر يكاد يكون مستحيلا ! !
--> ( 1 ) تاريخ العرب للمؤرخين : 8 / 11 .