عماد الدين خليل

24

المستشرقون والسيرة النبوية

بها من سلطان ، يؤكدها الواحد منهم المرّة تلو المرّة ، ويجتمع القوم عليها حتى لتكاد تغدو عندهم يقينا من اليقين على الرغم من أنها بنيت أساسا على الوهم الذي تستحيل معه رؤية الحقائق ، بحجمها الطبيعي ، وعلى الرغم من أنها انبثقت عن زاوية رؤية ضيّقة مترعة بالتعصّب ، ونظر إليها عبر منظار قد دخّن عليه سلفا ، وعلى الرغم من أنها في أحسن الأحوال ، قد بنيت على شواهد تاريخية ولكنها ليست - بحال - الشواهد المتواترة ذات الثقل ، وإنما هي الشاذ الغريب الذي يتشبثون به لكونه يشبع في نفوسهم وعقولهم حاجة . وعموما فإننا نستطيع أن نضع أيدينا على عدد من الأخطاء والثغرات المنهجيّة لهذه البحوث الاستشراقيّة ، ونشير هنا ، على وجه التحديد ، إلى ثلاث من هذه الثغرات : أولا : المبالغة في الشكّ ، والافتراض ، والنفي الكيفيّ ، واعتماد الضعيف الشاذّ : يكاد يكون هذا الملمح الأساسيّ في مناهج المستشرقين قاسما مشتركا أعظم بينهم جميعا . . إنهم يمضون مع شكوكهم إلى المدى ، ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع التاريخيّ ، بل إنهم ينفون العديد من الروايات ، لهذا السبب أو ذاك ؛ بينما نجدهم يتشبّثون - في المقابل - بكل ما هو ضعيف شاذ . . « لقد غالوا في كتاباتهم في السيرة النبويّة ، وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك ( في وقائعها ) ، وقد أثاروا الشك حتى في اسم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولو تمكّنوا لأثاروا الشك حتى في وجوده ، ولكنهم مهما قالوا في نسبة التاريخ الصحيح في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فإن سيرته هي أوضح وأطول سيرة نعرفها بين سير جميع الرسل والأنبياء » « 1 » . ويشير درمنغهم إلى هذه المسألة فيقول : « من المؤسف حقا أن غالى بعض هؤلاء المتخصّصين - من أمثال : موير ومرغوليوث ونولدكه وشبرنجر

--> ( 1 ) د . جواد علي : ( تاريخ العرب في الإسلام ) : جزء 1 ص 9 - 11 .