عماد الدين خليل
14
المستشرقون والسيرة النبوية
ويعلق المستشرق البريطاني المعروف ( سير هاملتون جب ) على الكتاب قائلا : بأنّه يجعل القارئ يشعر بأنه كتبه رجل عاش بالخيال تجربة محمد في مكة أكثر من أي كاتب سابق ، يضاف إلى ذلك تنظيمه الدقيق لمواد البحث الذي يعد إضافة جديدة قيمة لدراسة أصول الإسلام . لقد اهتم الكتاب خاصة يقول جب - بالأرضية الاقتصاديّة والاجتماعيّة وعلاقاتها بنظريات القرآن الدينيّة . ولهذا يؤمّل أن يؤدّي إلى تقدير حق لهذا القائد العظيم أكثر في الغرب مما مضى « 1 » ! ! . من أجل هذا وقع الاختيار عليه ، لأن الآخرين من المستشرقين الذين افتقدوا بعض شروط البحث الجادّ ، قد نوقشوا كثيرا ؛ فضلا عن أن بحوثهم لم تعد تستحق ذلك العناء الكبير الذي عوملت به في العقود السابقة بسبب وضوح تناقضاتها وإلحاحها في ملاحقة ما تتصوّره أخطاء والتشبّث بها ، كالمغناطيس الذي يمسك بقطع الحديد المتناثرة . . ثم إن ( الدفاع ) عن الحقائق الإسلامية العقيدية والتاريخية إزاء أخطاء الآخرين وتحريفاتهم ليس أكثر أهمية من تقديم أعمال بنائيّة ، وإنه ليجب التأكيد باستمرار على حقيقة أن العمل التاريخي الجادّ بحاجة إلى البناة ، الذين يملكون الحسّ النقدي بطبيعة الحال ، أكثر من النقاد ، ذلك أن جوانب كثيرة من تاريخنا وحضارتنا لا تزال تنتظر من يكشف النقاب عنها ، أو يعيد عرضها بالأسلوب الذي يقدمها كما تحققت فعلا ، أما ملاحقة دراسات الآخرين كشفا عن خطأ فيها ، ودفاعا عن قيمة ما في تاريخنا وفكرنا وعقيدتنا ، فيبدو أمرا ثانويا يجب ألّا يحتلّ الخطّ الأماميّ إلّا بعد أن يتم القدر الأكبر من مساحات البناء وتكويناته . ومع ذلك فإن العملية النقدية - ما دامت تتضمن قدرا من الإنجاز البنائي في جانب ما من جوانب العقيدة أو التاريخ - تغدو جديرة بالممارسة هي الآخرى ، شرط ألّا تكون هدفا بحدّ ذاتها .
--> ( 1 ) من تعليق جب الذي اعتمده الناشر على غلاف كتاب ( محمد في مكة ) .