عماد الدين خليل
120
المستشرقون والسيرة النبوية
على نفسه ويجيب عليها بصورة علمية ، يضاف إلى ذلك أمانة علميّة شديدة تصدر عن فكر لا حيلة له أمام الحقيقة . هذا الانفتاح الفكري ، وتلك الأمانة العلمية ، وهذه المهارة في الكشف عما هو أصيل وجوهريّ جعل من كتابه عن محمد حدثا تاريخيا في الدراسات عن نبيّ الإسلام » « 1 » . نقف أمام هذا الكتاب فإذا بنا نقع على بعض جوانب الخلل في منهج العمل في حقل السيرة : نزعة نقدية مبالغ فيها تصل حد النفي الكيفي وإثارة الشكّ حتى في بعض المسلّمات ، تقابلها نزعة افتراضية تثبت بصيغ الجزم والتأكيد ما هو مشكوك بوقوعه أساسا . وإسقاط للتأثيرات البيئيّة المعاصرة ، وإعمال للمنطق الوضعيّ في واقعة تكاد تستعصي على مقولات البيئة وتعليلات العقل الخالص . ونستطيع أن نخلص من هذا كله إلى أنه ليس بمقدور أيّ مستشرق على الإطلاق مهما كان من اتساع ثقافته ، واعتدال دوافعه ، وحياديّته ، ونزوعه الموضوعي ، إلّا أن يطرح تحليلا للسيرة لابدّ أن يرتطم ، هنا أو هناك ، بوقائعها وبداهاتها ومسلّماتها ، ويخالف بعضا من حقائقها الأساسيّة ، ويمارس - متعمدا أو غير متعمد - تزييفا لروحها وتمزيقا لنسيجها العام .
--> ( 1 ) من تعليق رودنسن الذي اعتمده الناشر على غلاف كتاب ( محمد في المدينة ) .