عماد الدين خليل

103

المستشرقون والسيرة النبوية

و ( وات ) يعود إلى مسألة النمو التدريجي والضرورات المرحلية . . إلى آخره فيتصوّر أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعرف حتى أواخر العصر المكي ، الأبعاد الحقيقة لدعوته ، وأنها ليست لقريش وحدها أو للعرب وحدهم ، وإنما للعالم جميعا . . ويغافل ( وات ) كما أغفل غيره من المستشرقين تلك المعطيات القرآنية التي كانت تؤكد منذ بدايات العصر المكي : عالمية الدعوة الإسلامية ، وأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمكن أن يسيروا كالعميان - خطوة خطوة دون أن يملكوا مسبقا استشرافا شاملا لما يسعون لتحقيقه ، ولا حتى للخطوات التالية التي يجب عليهم أن يقطعوها . . وإذا كان الزعماء العاديون يمتلكون رؤية مستقبليّة نافذة تتجاوز حدود الزمن الراهن ، وتتحرك صوب أبعاده النائية وفق برنامج مرسوم . . أفلا يكون الأنبياء مبعوثو اللّه إلى العالم ، قادرين على امتلاك هذه الرؤية ، بل ممتلكين بإرادة اللّه ووحيه - زمامها منذ اللحظات الأولى ! ! على أية حال فهذه هي الآيات القرآنية ( المكية ) التي تؤكد عالمية الدعوة الإسلامية منذ البدايات الأولى : ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ) « 1 » . ( وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) « 2 » . ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) « 3 » . ( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) « 4 » .

--> ( 1 ) الأنعام : 90 . ( 2 ) يوسف : 104 . ( 3 ) الأنبياء : 107 . ( 4 ) الفرقان : 1 .