محمود سالم محمد

96

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ومن الظواهر التي برزت في هذا العصر ، تنامي حركة التصوف وتشعبها ، وتطرف بعض المتصوفة ، الذين أضافوا إلى حركة التصوف الإسلامية ما أخذوه عن الفلسفات الأجنبية المتباينة والأديان المختلفة . وقد تفاعلت حركة التصوف مع المذاهب الدينية الإسلامية ، فأخذت عنها وأعطتها ، وصاغت لنفسها طريقة للعبادة ونظريات دينية مختلفة حول الكون وعلاقته مع الخالق ، وكان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصيب من نظريات المتصوفة الذين قالوا بالحقيقة المحمدية التي أضحت لازمة في قصائد المديح النبوي ، وتحدثوا عن النبي الكريم حديثا لم يكن المسلمون قد تداولوه من قبل ، أغرقوا فيه بالغيبيات ورفعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوق مراتب الخلق جميعا ، وجعلوه مبدأ الوجود كله ، والسابق إلى الوجود ، وفي ذلك يقول الحلاج « 1 » : « أنوار النبوة من نوره برزت ، وأنوارهم من نوره ظهرت ، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر ، وأقدم من القدم ، سوى نور صاحب الكرم ، همّته سبقت الهمم ، وجوده سبق العدم ، واسمه سبق القلم ، لأنه كان قبل الأمم » « 2 » . وقد أغنت حركة التصوف المديح النبوي ، وحلّقت بمدّاح النبي الأمين في عوالم غيبية بعيدة ، وخاصة في المرحلة الثانية التي اتسع فيها التصوف ، ليصل تأثيره إلى معظم المثقفين وليصبح من نسيج ثقافة كل متعلم ، ويخالط معتقد عامة الناس . وكثر في العصر العباسي التمثل بأحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الشعر ، وخاصة عند الشعراء الذين يطلبون المثل ويلّحون عليه في شعرهم ، فإنهم لم يجدوا في كل منحى من مناحي الحياة أعظم من شخصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذلك ضربوا به المثل حين أرادوا تقرير

--> ( 1 ) الحلاج : الحسين بن منصور الحلاج ، فيلسوف زاهد ، عدّ من الملحدين ، فارسي الأصل ، دخل بغداد وتجول في البلاد يدعوا إلى طريقته سرا ، يظهر التشيع للملوك والتصوف للعامة ، قال بمذهب الحلول ، وعندما اكتشف أمره قتل ، له عدة كتب منها : ( الطواسين ) و ( قرآن القرآن والفرقان ) اختلف في عقيدته الباحثون ، توفي سنة ( 309 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 2 / 253 . ( 2 ) الحلاج : كتاب الطواسين ص 11 .