محمود سالم محمد
71
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
هذه الأفكار التي اعتقد بها المتصوفة وروّجوها ، والتي شغلت المسلمين بفرقهم كافة ، ظهرت إلى النور في وقت متأخر ، بعد أن كثرت الفرق الدينية ، وتلقحت أفكارها بأفكار غريبة عن الفكر العربي الإسلامي . فالمعاني الدينية في مدح النبي الأمين اقتضتها صفة الممدوح ، ومن غير المعقول أن يظل ما مدح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالصا للمعاني التقليدية ، وألا تشوبه القيم الدينية ، وقد ظهر من الأمثلة السابقة أن تأثر الشعراء بالإسلام ، وخاصة في مدح النبي الكريم ، كان كبيرا جدا ، وليس كما صوّره الباحثون وحتى الشعراء الذين هاجموا المسلمين أثناء الصراع بين المسلمين والمشركين ، وأسلموا بعد فتح مكة ، ومدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكفيرا عما فرط منهم ، واعتذارا عما سبقت إليه ألسنتهم ، ظهر في شعرهم التأثر بالإسلام لأن المدة كانت كافية ليعرف المسلمون وغيرهم الكثير عن الإسلام ونبيّه الكريم ومن ذلك قول عبد اللّه بن الزبعرى « 1 » : يا رسول المليك إنّ لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور آمن اللّحم والعظام لربّي * ثمّ قلبي الشّهيد أنت النّذير إنّ ما جئتنا به حقّ صدق * ساطع نوره مضيء منير أذهب اللّه ضلّة الجهل عنّا * وأتانا الرّخاء والميسور « 2 » وهذا الأمر يظهر لدى الشعراء الذين اشتهروا في الجاهلية ، وتكاملت عندهم التقاليد الفنية ، وعرفوا القيم التي يمدحون بها أسياد قومهم ، فإنهم مدحوا الرسول الكريم ، وأشادوا بخصاله وفعاله على طريقتهم المعروفة ، لكن ذلك لم يمنعهم من أن يكون مدحهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متميزا عن مدح غيره وخاصة في النبوة فكان لا بد من أن
--> ( 1 ) عبد اللّه بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي ، شاعر قريش في الجاهلية ، كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة ، فهرب ثم عاد فأسلم واعتذر ومدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، الأصفهاني : الأغاني 15 / 179 . ( 2 ) شعر ابن الزبعرى ص 36 .