محمود سالم محمد

542

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

السائدة ، فأصحاب البديع حمّلوا المدائح النبوية بديعهم ، لينتشر بانتشارها ، وتعرف فنونه ، ومن هنا جاء التصنع والتكلف الذي اتسمت به البديعيات ، لأن الناظم يبذل جهدا عظيما في الملاءمة بين معاني المدح النبوي وبين إيراد النوع البديعي ، وسبك شاهده ، وهذا جهد عقلي محض ، يذهب بالشاعرية والرواء الشعري . ويمكن أن تعد البديعيات مرحلة وسطى بين الشعر والنظم ، هي شعر لأنها تحوي موضوعا شعريا ، ولأنه يتخللها بعض مظاهر الشعر ، وهي نظم ، لأنه ذكر لفنون البديع وإيراد الأمثلة عليها . وكان من آثار المدح النبوي الثقافية ، حركة التأليف التي قامت حول المدح النبوي ، والتي تجلت في الشروح المختلفة لبعض قصائد المدح النبوي ، والتي تعد مشاركة في فن المدح النبوي من الذين لم يؤتوا موهبة شعرية تتيح لهم نظم المدائح النبوية ، وقد عنيت هذه الشروح بمعالجة قضايا المدح النبوي ، والبحث في أصوله وقواعده ، وحفلت بالمعلومات التاريخية والدينية واللغوية والأدبية ، حتى أصبحت من المصادر الثقافية الهامة للعصر . فالمدائح النبوية استدعت نشاطا تأليفيا يخدمها ، هو الشرح الذي حفز همم بعض المؤلفين ، وحثهم على المشاركة في فن المدح النبوي ، فدرسوا وتثقفوا ، ليقوموا بهذه المهمة ، فكان بذلك أحد عوامل نشاط حركة التأليف في هذا العصر . وبذلك نرى أن المدح النبوي الذي بدأ مسيرته في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستمر خافتا إلى ما قبل العصر المملوكي ، أضحى الفن الشعري الأول في ذلك العصر ، وأضحى فنا مستقلّا له أصوله وقواعده ، وله دواوينه وشعراؤه ، وإن تقاطع مع فنون شعرية مشابهة . وكان لذلك كله أسبابه السياسية والاجتماعية والدينية ، وهذا ما ظهر في المدحة النبوية التي لم تقتصر على مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقط ، وعلى ذكر كل ما يتعلق به ،