محمود سالم محمد
54
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فأسس التفريق بين الرثاء والمديح هي الزمن ، وهو المدة التي تفصل وقت قول الشعر عن وقت الوفاة ، والمضمون ، وهو البكاء والندب في الرثاء ، والثناء والحمد في المديح ، والممدوح ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم امتاز عن باقي البشر ، فامتاز الشعر الذي قيل فيه بعد وفاته عن غيره من الشعر الذي قيل في سواه . فالشعر الذي قاله الصحابة بعد وفاة الرسول الهادي رثاء له ، وإن التقى في معانيه مع شعر قيل في زمن آخر ، وهذا الشعر الذي نحن بصدد الحديث عنه هو مديح خالص . والسبب في هذا التداخل هو أن الناس اعتادت على تعريف التقريظ أنه « مدح الرجل حيا ، والتأبين مدحه ميتا » « 1 » . فالتقى التقريظ والتأبين في أن كلا منهما مدح ، ولذلك تشابه الأمر على بعض الأدباء ، فلم يفرّقوا بين رثاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومدحه ، ومنهم النبهاني « 2 » حين صنع مجموعته ، فإنه قال : « افتتحت هذه المجموعة بنظم الصحابة فيه صلّى اللّه عليه وسلّم وقسمته إلى قسمين ، الأول : المراثي ، والثاني المديح » « 3 » . ومجموعته مقصورة على المدائح النبوية ، ولذلك أدرج المراثي معها دون أن يفرق بينها أو ينبّه على ذلك . وقد لاحظ محقق ديوان كعب بن مالك أن « المسلك الذي اتبعه كعب في رثائه هو
--> ( 1 ) ابن السيد البطليوسي : الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ص 158 . ( 2 ) النبهاني : يوسف بن إسماعيل بن يوسف ، شاعر أديب من رجال القضاء ، ولد في فلسطين ، وتعلم بالأزهر ، وعمل في تحرير جريدة الجوانب في الأستانة ، وتنقل في أعمال القضاء ببلاد الشام له تصانيف كثيرة في الحديث والفقه والأدب منها ( المجموعة النبهانية في المدائح النبوية ) . وله دواوين خاصة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفي سنة ( 1350 ه ) . الزركلي : الأعلام 8 / 218 . ( 3 ) المجموعة النبهانية 3 / 32 .