محمود سالم محمد
531
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد اتسع المدح النبوي اتساعا كبيرا لدواعي مختلفة ، ولأنه فن أصيل يلتقي مع كوامن النفوس المؤمنة ومع متطلبات الحياة ، فالدين ينظم حياة البشر ويعطيها معناها وغايتها ، والأدب ينيرها ويجمّلها ويوسع آفاقها ، وحين يلتقي الدين والأدب لرفعة المجتمع لا بد من أن يعملا على النهوض به نحو السعادة ، وأن يخلصاه من منغصاته . والأدب الديني ليس جديدا على أدبنا العربي ، أو الآداب الآخرى ، فالأدب والعقيدة متكاملان ، والشعر لما له من مكانة في نفوس الناس ، استطاع أن يخدم الدين ، وينشر أهدافه ويدافع عنه ، كما استطاع الدين أن يمدّ الشعر بموضوعات جليلة ، وأن يمنحه ظلالا عاطفية محببة . ومن هنا حاول شعراء المدح النبوي تجسيد المثل الإنساني الكامل ، الذي يتفق جميع المسلمين على تعظيمه وتنزيهه ، وقدموا للمطلعين على شعرهم التجارب الإنسانية الرائعة التي يكبرها العقل الإنساني ويفيد منها ويتخذها هدفا له ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عندهم الإنسان الكامل وبطل أبطال البشرية ، وجماع الخير ، وممثل الفضائل ومجسّد العبقرية الإنسانية ، والنور الكوني المقتبس من نور اللّه ، والصورة المشرقة لخلافة اللّه في الأرض . والأدب يعكس الحياة ، وشعراء المدح النبوي لم يكونوا في شعرهم بعيدين عن عصرهم ومجتمعهم ، وإنما كانوا يجسدون حالا موجودة ، تشغل الناس ، وهي الاحتفال بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والإشادة به في ظل ظروف الحرب والقهر ، أو تعرض الدين لهجمة شرسة ، ونبيهم لافتراآت الغزاة وإفكهم ، فكان لا بد لهم من الرد ، والانتصار لدينهم ونبيهم ، أو أنهم استحضروا السيرة النبوية والشمائل النبوية ، وأشاعوها في حياتهم للوصول إلى هدف معين . فهناك تبادل في التأثير والتأثر بين الأدباء ومجتمعاتهم ، والأدب يسعى إلى تغيير المجتمع بما يقدمه إليه من قيم جديدة ، أو يحيي فيه قيما معروفة ، ويعمل على ترسيخها .