محمود سالم محمد

52

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وهناك فهم آخر للرثاء يذهب إلى أنه « تطور عن تعويذات كانت تقال للميت ، وعلى قبره ، حتى يطمئن في لحده ، وبمر الزمن تطور الرثاء عندهم إلى تصوير حزنهم العميق إزاء ما أصابهم فيه الزمن في فقيدهم » « 1 » . وإذا وجدنا ضربا من الرثاء يشيد بفضائل الميت وصفاته ، فهو إما أن يكون وليد حزن ولوعة ، تحيل الماضي إلى حقيقة ماثلة أمام عين الشاعر . . وإما أن يكون ذلك الرثاء سردا لصفات الفقيد فقط ، دون أن يلمس جانب الحزن واللوعة في نفس الشاعر ، وهو بذلك قد يقترب من المديح ، ولكنه يبتعد عن أصالة الرثاء الحقيقي « 2 » . وقد فصّل الدارسون في طبيعة الرثاء ، وقسّموه إلى ثلاثة أقسام ، هي الندب والتأبين والعزاء الذي هو الصبر ، فالندب هو « بكاء الأهل والأقارب حين يعصف بهم الموت » « 3 » . والشاعر ينظم قصائد يبثها لوعة قلبه وحرقته على موت بعض أهله ، العزيزين على قلبه ، وربما ندب الشاعر غير أهله . إذا كانوا ينزلون منه منزلة النفس والأهل ، ومن ذلك ندب فاطمة - رضي اللّه عنها - لأبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقولها : اغبرّ آفاق السّماء وكوّرت * شمس النّهار وأظلم العصران « 4 » وقول صفيّة بنت عبد المطلب عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ندبه : عين جودي بدمعة تسكاب * للنّبيّ المطهّر الأوّاب واندبي المصطفى فعمّي وخصّي * بدموع غزيرة الأسراب

--> ( 1 ) السلطي ، د . عبد الحفيظ : ديوان أمية بن أبي السلط ص 275 . ( 2 ) المصدر نفسه : 258 . ( 3 ) ضيف ، شوقي : الرثاء ص 5 . ( 4 ) ابن رشيق : العمدة 2 / 153 .