محمود سالم محمد
517
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إن كثيرا من البديعيات أتت على هذا النحو من التكلف والتصنع ، ومع ذلك نجد أصحابها يشيدون بها ويدلّون على أهل الأدب بإبداعها ، وهم لم يزيدوا الأدب شيئا ، ولا أضافوا إلى البديع مفيدا ، ولكنه التصنع الذي أدار رؤوس القوم ، فظنوا الإغراق فيه الإبداع الذي ما بعده إبداع ، وهذا ما جعل بعض أصحاب البديعيات يتبرمون بكثير مما نظم في هذا الباب ، فقال ابن حجة عن بديعية ابن جابر : « البديعية غالبها سافل على هذا النمط » « 1 » . ولم يسلم ابن حجة نفسه من الانتقاد ، فألّفت الكتب التي ترد عليه انتقاده للآخرين ، وتظهر عيوب بديعيته وخطل ما يذهب إليه في شرحها ، ومن ذلك كتاب ( إقامة الحجة على ابن حجة ) ، تعقّب صاحبه فيه ابن حجة في بديعيته وشرحها ، فقال عن شواهد ابن حجة على الاطراد : « وكلها واللّه من سقط المتاع ، الذي لا يباع واللّه أعلم » « 2 » . وأظهر صاحب الكتاب كيف جارت الصنعة البديعية على المعنى في بديعية ابن حجة ، حين قال عن بيت ابن حجة : إبداع أخلاقه إيداع خالقه * في زخرف الشّعرا فاسمع بها وهم « معنى هذا البيت مختل اختلالا ظاهرا ، لأنه أراد بقوله في زخرف الشعراء ، السورتين الكريمتين ، فليس لإضافة الزخرف إلى الشعراء معنى بوجه من الوجوه ، ولا مجاورة بينهما في الترتيب التوفيقي ، وإن أراد به كلام الشعراء وقولهم ، فالأمر أعظم خطرا ، وإنني لأعجب أشد العجب من أمرين : أحدهما ، سكوت أهل الأدب عند إيراد
--> ( 1 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 399 . ( 2 ) ابن شهاب الحضرمي : إقامة الحجة ص 29 .