محمود سالم محمد
515
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وظل الشعراء بعد العصر المملوكي ينظمون هذا اللون من المدح النبوي . وبذلك يتضح لنا أن الهدف الأول من البديعيات هو نشر فنون البديع ، وأنهم جعلوا المدح النبوي حاملا لبديعهم ، ولم يجدوا وسيلة أكثر انتشارا لتعميم فنون البديع من المدح النبوي . وقد اتسمت البديعيات بالتصنع والتكلف ، لأن الشاعر يبذل جهدا عظيما في الملاءمة بين معاني المدح النبوي وبين إيراد النوع البديعي وسبك شاهده ، وهذا جهد عقلي محض يذهب بالشاعرية والرواء الشعري . ويدخل الشاعر في المعاظلة والضرورات الشعرية ، ويحيل القصيدة إلى معان جامدة ، تفتقد حرارة العاطفة ، وإن وجدت التعابير الجامدة التي تشير إلى وجود عاطفة مشبوبة عند الناظم . وإلى جانب ذلك تحجرت البديعيات على شكل معين ، يندر أن يخرج عليه أصحابها ، وهو الشكل الذي جاءت عليه أول بديعية ، وهي بديعية صفي الدين الحلي ، التي عارض بها بردة البوصيري ، فأصبح المدح النبوي أحد لوازم البديعيات الذي لا تحيد عنه ، وأصبح البحر البسيط وزن البديعيات الموحد ، وأضحت قافية الميم المكسورة هي القافية التي لا يدعها أصحاب البديعيات ، فماذا بقي للمتأخر ليضيفه إلى المتقدم ؟ ولذلك ظهرت منذ البداية نظرات نقدية للبديعيات من أصحابها أنفسهم ، فابن حجة الحموي ، صاحب إحدى البديعيات ، والذي شرح بديعيته بكتابه الكبير ( خزانة الأدب ) ، وقارنها بالبديعيات التي سبقته ، أكثر من انتقاد من سبقوه إلى نظم البديعيات ، وأخذ عليهم ماخذ عدة ، فحين تطرق إلى أبيات البديعيات التي تنظم أنواع الجناس ، عقّب على بيتي الجناس في بديعية ابن جابر بقوله : « ولكن لم يخف ما في البيتين من الثقل مع خفة الالتزام » « 1 » .
--> ( 1 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 26 .