محمود سالم محمد
511
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ويتضح هذا الأمر من دوافع صاحب أول بديعية ( صفي الدين الحلي ) ، الذي كان يعد العدة لتأليف كتاب جامع شامل في فنون البديع ، لكن المرض أقعده عن إتمام مقصده ، فعدل عن تأليف الكتاب ، ونظم قصيدة ، مدح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وضمّنها أنواع البديع التي أراد تقييدها في كتابه ، وقال عن ذلك : « فعرضت لي علّة طالت مدتها ، وامتدت شدتها ، واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يتقاضاني المدح ، ويعدني البرء من السقام ، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع ، وتتطرز بمدح مجده الرفيع » « 1 » . فالحلي أراد أن يؤلف كتابا في البديع ، وعزم على نظم قصيدة يمدح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالتقت في نفسه الرغبتان ، وألّف بينهما بنظم قصيدة يمدح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وينظم فيها أنواع البديع التي هيأها لكتابه المنشود ، فكانت البديعية . وحين بحث الحلي عن شكل لقصيدته ، كان أوّل ما تبادر إلى ذهنه أشهر مدحة نبوية آنذاك ، وهي بردة البوصيري ، فعارضها ، أو أن قصة تأليفه لبديعيته المشابهة لقصة نظم البوصيري لقصيدته ، هي التي أوحت إليه بأن يجعل قصيدته المنشودة على غرار بردة البوصيري أو برأته ، التي شفي إثر نظمها من المرض ، عسى أن يشفى هو أيضا من مرضه ، فكانت بديعيته معارضة لقصيدة البوصيري ، حملت وزنها وقوافيها وموضوعها وبعض عباراتها ، وأضاف إليها فنون البديع ، فكان الشكل الذي عرفت عليه البديعيات ، إذ إن كل الذين جاؤوا بعده ، ونظموا البديعيات ، لم يخرجوا إلا نادرا عن هذا الشكل . فمعظم البديعيات مدح نبوي ، ومعظمها على البحر البسيط وقافية الميم المكسورة ، قافية البردة ووزنها .
--> ( 1 ) الحلي : شرح الكافية البديعية ص 54 .