محمود سالم محمد
507
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
للتأليف ، اتسع شيئا فشيئا إلى أن وصل إلى أقصى اتساع له على يد ابن أبي الإصبع ، الذي أوصل أنواع البديع إلى التسعين في كتابه ( تحرير التحبير ) « أصح كتاب ألّف في هذا العلم » « 1 » . وعلى الجانب الآخر كان الشعراء يزدادون ولعا بفنون البديع واصطناعها في شعرهم ، إلى أن أدخلوا معها الضّيم على الشعر . وقد مرّت معنا أمثلة كثيرة على ولع الشعراء بفنون البديع ، الذين حرصوا على إيرادها في شعرهم ، والإكثار منها ، ولا يهمهم بعدها كيف يأتي شعرهم ، ومن ذلك قصيدة طويلة لابن سيد الناس في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، هي أقرب للنظم منها إلى الشعر ، وزاد في جفافها اصطناع البديع دون توفيق ، تكلّف إيراد فنونه تكلّفا ، فقال : لو لم أر الموت عذبا في الغرام بكم * ما شاقني لحسام البرق تقبيل ولا بدا الصّبح إلا قال قد سفرت * سعاد يا كعبها لم أنت متبول وفي انشقاق أخيه البدر حين بدا * فرقين واختلفت فيه التّعاليل « 2 » والقصيدة كلها تجري على هذا النحو ، والشاعر يظن أنه يأتي بالعجائب ، لذلك أطالها إلى أن قاربت مئة وتسعين بيتا ، فأين لفظ عنترة وأين موقعه الذي أثمر صورته الجميلة ، من تقبيل حسام البرق ؟ وأين غزل كعب المتقن وبلاغته من سؤال ابن سيد الناس له ؟ وأين معجزة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا التعبير الذي اختلفت فيه التعاليل ؟ ومن البديع المتكلف التوراة بأسماء سور القرآن الكريم التي لم تزد التعبير عمقا أو
--> ( 1 ) الحلي : شرح الكافية البديعية ص 53 . ( 2 ) المجموعة النبهانية 3 / 60 .