محمود سالم محمد
505
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وحين استنفذ الصرصري مالديه عن سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من كل صغيرة وكبيرة يعرفها ، صوّر وفاته في قوله : واشتدّ ما يلقاه من إعيائه * حتى لقد حملوه في الأحضان وأتاه عزرائيل يطلب إذنه * ولغيره ما كان ذا استئذان فاختار قرب اللّه جلّ ثناؤه * فمضى حميدا سالما من دان ثم استعرض مشاهد يوم القيامة ، واختتم القصيدة بالحديث عن المدح النبوي وطلب الشفاعة . إن هذه القصيدة الطويلة ، التي جمع فيها الصرصري كل ما يعرفه عن سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتي حفلت بمظاهر الاتصال بين عالم الواقع وعالم الغيب والشهادة ، وبمظاهر الصراع بين الحق والباطل ، وجسّدت البطولة الإنسانية المطلقة ، لا تغيب عمّن قرأها ملامح الملحمة ، وإن لم تتطابق معها ، فالمطابقة ليست ضرورية هنا ، والمهم أن في قصائد المدح النبوي أبرز الأشكال الشعرية التي تقرب من فن الملاحم ، أو فيها الشكل العربي للملحمة . وإذا خلا الأدب العربي من الملاحم بشكلها المعروف عند الأمم الآخرى ، فإن ذلك لا يعيبه ولا ينقص من قدره ، ففي الأدب العربي ما لا يوجد في آداب الأمم الآخرى .