محمود سالم محمد

487

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

والنشاط وحافظ على صورته الأصلية ، وإن كان قد تأثر بأشكال التعبير الشعري التي عرفت في ذلك العصر . الملاحم : إن من يقرأ المدائح النبوية يشعر بشيء من النّفس الملحمي فيها ، وخاصة في القصائد الطويلة التي سردت سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذكرت معجزاته ، ووقفت عند كل صغيرة وكبيرة في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصورت جهاده وغزواته ومواقفه ، فإننا نحس بشيء لم نألفه تمام الإلفة في الشعر العربي ، لا هو مغاير تماما للشعر القديم ، ولا هو متطابق معه ، وربما كان تطويرا لما كان سابقا ، فالشعر الذي يسرد أحداثا قصصية ، يكاد يقترب بشيء من المعالجة والجمع والتوفيق ، من الشكل الملحمي . وقد ألمح النقاد إلى وجود تشابه بين السير الشعبية الكبيرة التي عرفت في الأدب العربي ، وبين الملاحم المعروفة في آداب الأمم الآخرى ، إلا أن الملاحم نظمت شعرا ، في حين أن السير الشعبية في الأدب العربي اختلط فيها الشعر والنثر ، ولكننا لو جمعنا الشعر الذي ورد في السيرة الشعبية ، وربطنا بعضه مع بعضه ربطا شعريا ، وملأنا ثغراته ، لأكمل عندنا ملحمة شعرية طويلة ، تقترب كثيرا من الملاحم القديمة في الآداب الآخرى . والسير الشعبية في الأدب العربي لا يعرف لها مؤلف ، أو هي من قبيل التأليف الجمعي ، يزيدها الشعب كلّما امتد بها الزمن إلى أن استقرت على الشكل الذي نعرفها به اليوم ، هذه السير تعبّر عن رغبة الإنسان العربي في تجسيد البطولة القومية المطلقة ، لذا تلمّس أبطاله في أعماق التاريخ ، وخلع عليهم من الأوصاف ما يرتاح إليه ، وألبسهم من الفضائل ما يعتز به ويتطلع إليه ، فكان عنترة بن شداد ، وكان الزير سالم ، وأبو زيد الهلالي ، وغيرهم من أبطال العرب الأسطوريين .