محمود سالم محمد
482
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد أدرك الأدباء والمؤلفون هذه الحقيقة ، فعجبوا لهذه الكثرة الكاثرة من مدائح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتساءلوا عن المدى الذي يستطيع الشعراء الوصول إليه في هذا الباب ، وما الذي يمكن أن يقولوه بعد أن بذلوا طاقاتهم كلها في نظمه ؟ إن تهيّب بعض الشعراء من المشاركة في المدح النبوي لم يمنع أكثرهم من المشاركة الواسعة فيه ، وإفراغ جهدهم في نظمه ، ومع ذلك أدرك أهل العصر أن الإطناب في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والإكثار من نظم المدائح النبوية ، لن يفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حقه ، إلا أن ذلك لم يمنعهم من المضي في ذلك ، لأن كل شاعر حرص على أن تكون له مشاركة صغرت أم كبرت - في هذا الفن ، لأنه يؤمن للشاعر الشهرة ومعرفة الناس له من ناحية ، ولأنه يطمع بغفران اللّه وثوابه من ناحية ثانية . فالدواوين المستقلة كثيرة ، والدواوين التي يغلب عليها المدح النبوي كثيرة أيضا . ديوان البوصيري في معظمه مدح نبوي ، وديوان الصرصري في مجمله مدائح لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والشهاب محمود نظم ديوانا خاصا في المدح النبوي ، هو ( أهنى المنائح في أسنى المدائح ) ، والوتري له ديوان مستقل في المدح النبوي هو « معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات » ، والبرعي ديوانه مقصور على المدح النبوي والابتهالات ، والنواجي له ديوان خاص بالمدح النبوي هو « شمس المطالع » وكذلك للفزاري ديوان « الوسائل المتقبلة » ، ولابن الجيّاب ديوان في المدح النبوي . ودواوين شعراء العصر ، يحتل المدح النبوي جانبا هاما منها ، وهناك دواوين كثيرة ذكرت في كتب الفهارس القديمة ، وفي فهارس المكتبات العالمية . وندر أن تفرّد فن شعري من فنون الشعر العربي بديوان خاص به ، أو قصر شاعر شعره كله على فن واحد . وهذا دليل على أن المدح النبوي أضحى في الشعر العربي فنا خاصا قائما بذاته ، له أهمية كبيرة عند شعراء العربية ، وله انتشاره وسيرورته . لقد أصبح المدح النبوي جزآ لا يستهان به من الشعر العربي في العصر المملوكي ، وقبيله وبعده .