محمود سالم محمد
461
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ومن العادات الاجتماعية التي أخذ بها الناس ، والتي هبطت إليهم من الجاهلية ، كرههم للبنات ، والتشاؤم بولادتهم ، وإهانتهن ، ولذلك نبّه المصلحون الناس على خطل هذه العادة التي أنكرها اللّه تعالى في كتابه الكريم ، فقال : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ « 1 » وأنكرها رسول اللّه ، فالإسلام أنزل المرأة المنزلة الكريمة التي تليق بها . ولتذكير الناس بهذا ، ضرب الشعراء لهم مثلا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال أحدهم : فخير النّاس كلّهم جميعا * رسول اللّه كان أبا البنات وهنّ الؤنسات وهنّ أيضا * بعيد الموت أحرق باكيات « 2 » فسيّد الخلق كان أبا البنات ، ولم يخدش ذلك قدره الرفيع ، وإلى جانب ذلك فالبنات صاحبات مشاعر رقيقة وحنان كبير ، وهن المؤنسات لأهلهن ، وهن الباكيات بحرقة صادقة على موت آبائهن . وهكذا مضى الشعراء يضربون المثل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مظهرين حسن الاقتداء بسيرته الكريمة ، والتأسي بأسوته الحسنة في إصلاح الظواهر الاجتماعية الخاطئة ، وتعديل القيم المنحرفة عن جادة الصواب . إن مسألة الاقتداء والتّمثل بسيرة رسول اللّه العطرة ، لم تكن مقصورة على المدائح النبوية فقط ، بل إن الشعراء إذا أرادوا تقديم حجة على كلامهم ، لا يجدون حجة أصدق من موقف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو صورة من صور حياته الكريمة ، أو كل ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فتمثلوا بالصحابة الكرام ، وتفانيهم في خدمة دينهم ونبيهم وأكثروا من مدحهم مظهرين تضحياتهم وإخلاصهم ، ضاربين مثلا رائعا تتملاه الأجيال اللاحقة ، وتفيد منه .
--> ( 1 ) الآية 58 سورة النحل . ( 2 ) البلوي : كتاب ألف با 1 / 410 .