محمود سالم محمد

459

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

القدوة والمثل : وأول ما قدمته المدائح النبوية في هذا الباب تجسيد القدوة المثلى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد كان المثل الأعلى في مناحي الحياة كلها ، والذي لا يمكن اللحاق به ، ولكن الاقتداء به يجعل المرء مستقيما في حياته ، سعيدا متعاونا مع أقرانه ، راضيا لثقته بأنه يتبع سنة خير الخلق التي تضمن له رضا اللّه تعالى ومغفرته . وإذا اقتدى أفراد المجتمع برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن المجتمع سيكون مجتمعا خيّرا قويا متماسكا ، يسوده العدل والرحمة والمحبة . ففي مجتمع كان فيه المستأثرون بالثروة قلّة ، وبقية الناس تعاني العوز والمرض ، لا بد من تذكير الأغنياء بأن رسول اللّه أعظم إنسان خلقه اللّه ، كان متواضعا رحيما ناكرا لذاته ، بعيدا عن التفكير في الثراء وجمع المال ، ولو أراد ذلك لحصل على ثروات الأرض وكنوزها ، وقد ردّد شعراء المدح النبوي هذه الصفة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحدثوا عن زهده في الدنيا وبهرجها ، ليتعظ المتهالكون على المال ، والذين يظلمون من أجل الحصول عليه وكنزه . ودأب المصلحون في ذلك العصر على تنبيه الناس على تلك المسألة ، فقال الماوردي في كتابه ( أدب الدنيا والدين ) عن المال : « ولو كانت فيه فضيلة لخصّ اللّه به من اصطفاه لرسالته ، واجتباه لنبوته ، وقد كان أنبياء اللّه تعالى مع ما خصّهم من كرامته ، وفضلهم على سائر خلقه فقراء . . حتى صاروا في الفقر مثلا ، قال البحتري : فقر كفقر الأنبياء وغربة * وصبابة ليس البلاء بواحد « 1 » لقد كانت سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ممّا يضرب به المثل في مناحي الحياة كلها ، ومما تقارن به أعمال الناس ، وكان الشعراء قبل العصر المملوكي ، يتمثلون بمواقف النبي الكريم

--> ( 1 ) الماوردي : أدب الدنيا والدين ص 214 والبيت في ديوان البحتري 1 / 507 .