محمود سالم محمد

407

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وكانت فنون البديع التي أشار إليها ابن المعتز قليلة بسيطة ، لكن الكتّاب الذين جاؤوا بعده ، ظلوا يزيدون فيها حتى أضحت على درجة كبيرة من التعقيد ، لا يتقنها أو يعرفها إلا المشتغل فيها المتمرس بها ، وغلبت على ذوق المتأدبين من أهل العصر ، فلا يجدون الجمال الأدبي إلا بها ، ولا يعترفون بشاعر إن لم يكن متصنعا لها مكثرا منها ، فصارت موضع فخر الشعراء وتفاضلهم ، ومقياسا لشاعريتهم . ولذلك حرص الشعراء على حشد أكبر قدر من فنون البديع في شعرهم ، إلى أن أضحت بعض القصائد نظما لهذه الفنون ، يتكلف الشاعر إدراجها في شعره ، متجنّيا على المعنى وسلامة التعبير من أجلها ، وانقلبت الوسيلة إلى غاية ، وأضحى الشاعر ينظم القصيدة ليعرض فنون البديع فيها ، ولا يأتي بفنون البديع لزيادة المعنى إيضاحا وعمقا ، والأسلوب جمالا ورونقا ، حتى جعلت مواهب هواة هذه الفنون موضع شك وتساؤل ، وأفسدت الظن في مقدرتهم الشعرية ، فكأنهم يعانون من فقر في الموهبة والثقافة ، ويحتالون على جدبهم في الأصالة بهذه الزخارف البديعية ، وهم على العكس من ذلك ، فيهم أصحاب الملكات الشعرية الأصيلة ، وأصحاب الثقافة الواسعة ، الذين رزقوا مقدرة شعرية كبيرة ، ولكنه ذوق العصر ، ومجاراة السائد فيه . ونحن لا نستطيع أن نطبق على شعر العصر المملوكي مقاييسنا الجمالية ، وإن كنّا لا نستسيغ هذه المبالغة البديعية ، فهذه الفنون كانت تعد منتهى البلاغة عندهم ، وكانت غاية كل شاعر أن يتفرد باستخدام مميز لها . وقد مال شعراء هذا العصر إلى المبالغة في اصطناع فنون البديع ، ليس في الكثرة فقط ، بل والدرجة أيضا ، فلم يعد يؤثر فيهم التشبيه العادي أو الجناس البسيط أو الاستعارة البسيطة ، فلا يهتزون إلا إذا كانت هذه الفنون على درجة كبيرة من التعقيد ، وليس العمق ، لأن الاستخدام الجيد لهذه الفنون ، والذي يزيد المعنى عمقا ، ويحسّن التعبير ، لم يسلم إلا للفحول منهم ، ولذلك عبّروا عن درجات التشبيه مثلا بالمرقص