محمود سالم محمد

40

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وقد كان التصوف في مراحله الأولى تصوفا إسلاميا محضا ، لا يخرج عمّا أتى به الإسلام ، وعمّا عرف عن زهد الصحابة والتابعين ، ثم أخذ المتصوفة يتسعون في مذهبهم ، فأخذوا عن الشيعة بعض عقائدهم ، وخاصة التنظيم الهرمي ، وفكرة القطب أو الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية ، التي أخذ بها المتصوفة والفرق الإسماعيلية ، وظل التصوف يتسع في العقيدة حتى خرج بها أحيانا عن حدود الدين ، واستمد بعض الأفكار من الديانات السماوية وغيرها ، والفلسفات القديمة ، لذلك حاربها كثير من رجال الدين وردوا عليها ، فتهكم الشعراء من معتقداتهم الغامضة ، وطريقتهم المميزة في التعبير عنها ، وقسا بعضهم في مهاجمتهم وانتقاد معتقدات الفرق المتطرفة منهم . وأصبحت أحوال الصوفية وأعمالهم وأقوالهم مدار حديث الشعراء ، وأضحى التصوف أحد مكونات الثقافة في العصر ، وخاصة ثقافة الشعراء ، وكان للمتصوفة شعراؤهم الذين عبروا عن مذهبهم وأظهروا وجدهم في الذات الإلهية ، وشوقهم إلى الصفاء والمقدسات ، وكان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكان لائق في شعرهم ، يمدحونه على طريقتهم ، ويظهرون مكانته في عالمهم ، فهم ينسبون أنفسهم إليه ، ويدّعون وراثتهم لحقيقته ، فقالوا : « الناس ثلاثة ، عالم وعابد وعارف صوفي ، وكلهم قد أخذوا من الوراثة النبوية . . . العالم ورث أقواله . . . والعابد ورث أفعاله . . . والصوفي ورث الجميع » « 1 » . وبرز في المدائح النبوية شعراء متفوقون من المتصوفة ، مثل البوصيري الذي عرف بأنه من أتباع الطريقة الشاذلية ، فمدائحه النبوية تعبق بالنفحات الصوفية ، وبعض مدائحه تبدو أنها نظمت لتنشد في حلقات الذكر مثل قصيدته التي مطلعها : يا ربّ صلّ على المختار من مضر * والأنبيا وجميع الرّسل ما ذكروا « 2 »

--> ( 1 ) ابن البنا السر قسطي : الفتوحات الإلهية ص 99 . ( 2 ) ديوان البوصيري ص 272 .