محمود سالم محمد
398
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
مشاعرهم الدينية ، فتجاوزوا في المديح النبوي التقسيمات السابقة التي كانت تخص المدح بالجزالة والفخامة ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس سيدا أو بطلا فحسب ، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك هاد وحبيب ومنقذ ، تهفو إليه النفوس بخشوع وقداسة ، فحقّ لمادحيه أن يفخّموا وأن يرققوا ، وأن يجزلوا وأن يسهلوا . ويظهر أن شعراء المدح النبوي في معظمهم كانوا في بداية أمرهم يميلون إلى التفخيم والإغراب في ألفاظهم ، وهذا ما لاحظه الوتري ، الذي قال في ذلك : « ورأيتهم أيضا قد مزجوها بألفاظ لغوية ، لم يفهمها كثير من السامعين ، ولا تطرب لها قلوب المشتاقين ، فرققتها جهدي ، وبذلت لها ما عندي ، وأعرضت عن تلك الكلمات ما أمكنني ، ويسر اللّه تعالى علي عوض ما أعوزني » « 1 » . وقد عبّر الصفي الحلي الذي مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقصائد عدة عن ذلك ، فإن بعض الأدباء انتقدوا شعره بخلوه من الألفاظ الغربية ، وكأنهم يعدون غرابة اللفظ من دلائل فحولة الشاعر ، وسعة ثقافته ، فهم لا يرضون إلا عن الشعر الذي يجهد الشاعر فيه فكره باستجلاب غريب اللفظ والصنعة المعقدة ، وغير ذلك من الأشكال التي تدل على إطالة التفكير ، وعسر المواءمة ، ولذلك ردّ الصفي الحلي على هذا النقد بأبيات قال فيها : إنّما الحيزبون والدّردبيس * والطّخا والنّقاخ والعلطبيس لغة تنفر المسامع منها * حين تروى وتشمئزّ النّفوس وقبيح أن يسلك النّافر ال * وحشيّ منها ويترك المأنوس إنّ خير الألفاظ ما طرب السّا * مع منه وطاب فيه الجليس إنّما هذه القلوب حديد * ولذيذ الألفاظ مغناطيس « 2 »
--> ( 1 ) الوتري : معدن الإفاضات ص 2 . ( 2 ) ديوان الحلي : ص 624 .