محمود سالم محمد
391
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وإذا نظرنا إلى مشاركة الشعراء الكبار في العصر المملوكي ، والذي عرفوا بولعهم بفنون البديع ، وجدنا شعرهم حافلا بضروب الصنعة التي تثقل أحيانا ، لكنهم ظلوا محافظين على وضوح المعنى بشكل عام ، وظل ظلّ الصنعة قاصرا على أبيات بعينها ، ولم يغط القصيدة كلها . ومن أمثلة هذا الأسلوب المتصنع قول ابن نباتة في مدحة نبوية : ولي سعاد شجون ما يغبّ لها * إما خيال وإلا فهو تخييل أبكي اشتياقا إليها وهي قاتلني * يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول مسكيّة الخال أمّا ورد وجنتها * فبالجنى من عيون النّاس مبلول مصحّح النّقل عن شهد وعن برد * لأنه منهل بالرّاح معلول « 1 » فالصنعة هنا هي هاجس الشاعر ، وهو يفكر في مدح سيد الخلق ، أو أنه استحضر هذه الصنعة عند مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظانا أنه يحسن عملا ، فيصطنع ألفاظ البديع ، ويضمّن شعر القدماء ، ويستخدم مصطلحات العلوم وغير ذلك من الأمور التي رآها ورآها معاصروه فنا عظيما ، وإثباتا لمقدرة الشاعر البلاغية أو البديعية . ولننظر كيف يتلاعب بالألفاظ في مدحة نبوية ثانية ، فيقول : شجون نحوها العشّاق فاؤوا * وصب ماله في الصّبر رآء وعين دمعها في الحبّ طهر * كأنّ دموع عيني بيرحاء ولاح ماله هاء وميم * له من صبوتي ميم وهاء كأنّ الحبّ دائرة بقلبي * فحيث الانتهاء الابتداء
--> ( 1 ) ديوان ابن نباتة : ص 372 .