محمود سالم محمد

389

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

الشعر إلا هيكله الخارجي من وزن وقافية . ولم يكن للنظم محاسن تذكر ، تضاف إلى صياغة الشعر العربي وأسلوبه ، بل كان مضرا أكثر منه مفيدا ، ولو عزلت القصائد التي غلب عليها النظم عن بقية المدائح النبوية ، وضمّت إلى فن المنظومات العلمية ، لكان ذلك أقرب إلى الصحة . التصنع : والأسلوب الثالث الذي برز في المدائح النبوية ، هو الأسلوب المتصنع ، الذي ساد في العصر المملوكي ، فالأديب يجهد عقله في تنميق صياغته وزخرفتها ، وحشد أكبر قدر ممكن من المحسنات البديعية التي فتنتهم . الكاتب المولع بالصنعة ، غدت كتابته جمعا لضروب البديع لا أكثر ، والشاعر الذي ملكت عليه الصنعة نفسه ، أضحى شعره إقامة الوزن للمحسنات البديعية ، ولذلك كان لا بد من أن يظهر هذا الأسلوب في المدح النبوي ، طالما أنه يعد من مفاخر الشعراء ، ومما يتباهون به ، إظهارا لمقدرتهم ، وإثباتا لإبداعهم . ولم تكن هذه المحسنات البديعية مما أتى به أهل هذا العصر ، بل هي معروفة موجودة منذ العصر الجاهلي لكنها كانت تأتي عفو الخاطر ، ولم يتنبه عليها إلا الشعراء العباسيون الذين أخذوا يقصدون إليها قصدا ، يجملون بها صياغتهم ، ولم يكثروا منها ، فبقيت مبعث جمال لشعرهم ، لكنها أخذت تزداد في الشعر شيئا فشيئا حتى أثقلته . وقد شارك هواة البديع في المديح النبوي ، فجاءت قصائدهم مثقلة بفنونه ، يجورون على المعنى والأسلوب معا ، طلبا لهذه الزينة ، فلا يأتون بشيء ، بل إنهم يسيؤون من حيث يظنون أنهم يحسنون ، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد الربط بين المديح النبوي وفنون البديع ، فخرجوا بقصائد نبوية ، هي البديعيات ، تجمع ما بين مدح النبي ، وذكر ضروب البديع والتمثيل لها .