محمود سالم محمد
382
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إلا أن بعض شعراء المديح النبوي لم تصل متابعتهم للقدماء إلى شكل صياغتهم ، ولم تصل بهم الصنعة إلى التعقيد ، فحافظوا على طريقة وسط في التعبير ، تأخذ من القديم بلاغته وصحته ، وتأخذ من الجديد وضوحه وطرافته ، إنه أسلوبهم الخاص الذي لم ينظروا عند صياغته إلى ما حولهم ، ومن ذلك قول الشهاب محمود في جلاء مشاعر الراحلين إلى الروضة الشريفة قبل وصولهم وعنده : متى قال حادينا رويدا فبينكم * وبين الحمى مقدار يومين أو أدنى وهبنا له شطر الحياة فإن أبى * ولم يرض ما قد وهبنا له زدنا فلم يبق من آمالنا بعد فوزنا * بذلك ما نأسى عليه إذا متنا « 1 » فهذا الأسلوب في التعبير الشعري هو ما أطلق عليه أدباء ذلك العصر ( الرقة والانسجام ) ، المتأتي من رقة الألفاظ ودقتها ، وجمال التركيب والعبارات وائتلافها ، وتموج الأبيات بالإيقاع والموسيقا . ونجد الجزالة وأصالة التعبير التي قلما انحرفت في المديح النبوي عندما دحي النبي من المغاربة ، الذين لم تفتنهم الصنعة ، ولم تتسرب إلى شعرهم إلا تسربا خفيفا ، وخاصة أولئك الذين لم يزوروا المشرق ، ولم يقيموا فيه ، فإنهم ظلوا ينظمون شعرهم على غرار الشعر القديم الذي وصلهم ، وكأنهم كانوا بمعزل - نوعا ما - عن مركز تيارات الصنعة الأدبية في مشرق الوطن العربي . وقد امتازت مدائح المغاربة غالبا بالأصالة والقوة والجزالة ، ومن ذلك قول ابن الجياب الأندلسي : ألا عدّ عن وصف الدّيار المواثل * ودهر مضى لم تحظ فيه بطائل
--> ( 1 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 86 .