محمود سالم محمد

38

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

الإسلامية ، التي تمثّلت في أصحاب المذاهب الأربعة من السنة ، والمذاهب الشيعية المختلفة ، والفرق الصوفية المتباينة . وكان من نتيجة هذا الجدل انشغال الناس بأمور العقيدة ، وظهور آراء دينية جديدة ، فيها شيء من الغرابة ، وانقسام الناس بين المذاهب المختلفة ، وتعصبهم لمذاهبهم ، وتطرف بعض الفرق في آرائها ، مستفيدة من الفلسفات الغريبة والأديان المختلفة . وقد دفع التطرف في آراء بعض الفرق علماء الدين إلى محاربة هذه الانحرافات في العقيدة ، وحضوا أصحاب الأمر على التصدي لهؤلاء ، فقال السبكي : « من واجب أولياء الأمور ، دفع أهل البدع والأهواء ، وكف شرهم عن المسلمين » « 1 » . وطالب الفقهاء بفرض عقوبات قاسية على من يتعرض للشريعة السمحة بسوء ، « ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو من يسبّه ، فإن ذلك مرتد كافر ، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل » « 2 » . فهذا الجدل الديني ، جعل الشعراء يحصرون اهتمامهم برسول اللّه في المقام الأول ، ويبثونه حبهم وإجلالهم ، ويمدحونه بشعر غزير ، يتغنّون فيه بشمائله الكريمة ويتشفعون به من ذنوبهم وسوء أحوال الأمة . والطريف في الجدل الديني آنذاك تباين آراء المسلمين حول وراثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فالشيعة يرون أن أئمتهم ورثوا رسول اللّه وخلافته نصا وشرعا ، لأنهم آل بيته وأقاربه ، والمتصوفة ادعوا وراثتهم الولاية والطريقة عن رسول اللّه ، ومنها استمدوا كراماتهم ، وظل خلفاء بني العباس على اعتقادهم بوراثة رسول اللّه ، فقد جاء في مبايعة الخليفة الحاكم بأمر اللّه : « إن أمير المؤمنين لما أكسبه اللّه من ميراث النبوة ما كان لجده وآتاه من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف . . » « 3 » .

--> ( 1 ) السبكي : معيد النعم ص 31 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 13 . ( 3 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 199 .