محمود سالم محمد
364
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقوله : كأنّه بيت شعر في عروض جفا * مقطّع عملت فيه التّفاعيل « 1 » وقول ابن ظهيرة القرشي « 2 » : بسيط حبّي فيهم وافر وكذا * سريع دمعي على الخدّين مطلول وكامل الوجد لا ينفكّ في رمل * طويله لمديد القطع مشكول « 3 » والأمثلة على ذلك كثيرة ، تبيّن استظهار شعراء المدائح النبوية لعلم العروض ، ودراستهم له ، ومعرفتهم بأسراره ومصطلحاته ، فلم يعد الشعر يقال على السليقة ، وإنما تدرس العلوم التي تحكم مكوّناته ، من لغة ونحو وعروض وبلاغة ، ولذلك نظم العلماء الشعر ، ومن لم يؤت موهبة شعرية ، لأنه درس العروض ، واستطاع إقامة أوزانه ، ولهذا قيل آنذاك في هؤلاء الذين يكتفون في نظمهم بعنصر الوزن فقط : إن كنت لا تدري سوى الوزن وحده * فقل أنت وزّان وما أنت شاعر « 4 » إن استخدام شعراء المدح النبوي للأوزان الشعرية المعروفة لم يخرج عمّا تواضع عليه شعراء العرب ، إلا أنهم كانوا يتفاوتون في إظهار إيقاع الأوزان الشعرية وطاقاتها الموسيقية ، بسبب أسلوب كل شاعر ومقدرته الفنية ، فبعض الشعراء كانوا ينظمون الأحاديث والروايات ، فلا يكاد الوزن يستبين ، لولا التشطير والقافية ، مثل بعض مقاطع البوصيري التي ينظم فيها السيرة ، أو يجادل في مسألة دينية ، ومنها قوله في همزيته : يا لأمر أتاه بعد هشام * زمعة إنّه الفتى الأتّاء
--> ( 1 ) المجموعة النبهانية : 3 / 147 . ( 2 ) ابن ظهيرة القرشي : محمد بن عبد اللّه بن ظهيرة المخزومي المكي ، فقيه محدث مشارك في فنون العلم ، انتهت إليه رياسة الشافعية ببلده ، ولقّب عالم الحجاز ، توفي سنة ( 817 ه ) . السخاوي : الضوء اللامع 8 / 92 . ( 3 ) المصدر نفسه : 3 / 139 . ( 4 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 348 .