محمود سالم محمد
321
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد أورد ابن حجة في خزانته أمثلة على الغزل المحتشم والغزل الذي لا يليق بالمدحة النبوية ، ويظهر أن هذه المسألة كانت موضع أخذ ورد ، يناصر بعض الشعراء والأدباء توجّه ابن حجة ، ويعارضه آخرون اقتداء بالشعراء الذين مدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته ، فعبّر النبهاني عن هذا الاختلاف بالرأي في قوله : « أما قصيدة بانت سعاد التي اتخذها دليلا بعض من سلك هذا المسلك ، واستحسنه ، وهو في نفسه غير حسن ، فهي لا تصلح دليلا لذلك ، لأن ناظمها كعب بن زهير - رضي اللّه عنه - كان قبل إسلامه شاعرا جاهليا ، فنظمها على طريقتهم قبل أن يجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويسلم على يديه ، ويعرف آداب بالإسلام . . ولم يحصل مثل هذا التشبيب بعد إسلامه ، ولا من أحد من شعراء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » . ولا يخطّئ النبهاني الشعراء الذين تغزلوا في مقدمات مدحاتهم النبوية تغزلا ماديا ، بل يلتمس لهم المعذرة والمسامحة ، فيقول : « ولئن أساؤوا من تلك الجهة بعض الإساءة ، فقد أحسنوا من جهة مديحهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل الإحسان ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتبع السيئة الحسنة تمحها » « 2 » . والأرجح أن الغزل في مقدمة المدحة النبوية ، ليس مقصودا لذاته ، ولا يعبّر عن مشاعر محرّمة عند المادح ، ولا يقصد به إثارة غرائز السامعين ، وهو لا يعدو مقدمة فنية لإثبات المقدرة الشعرية ، وجريا على عادة متأصلة في نفوس الشعراء ، وإنما يكون الغزل المحتشم أكثر ملاءمة للموضوع ، وجو القصيدة ، وجلالة الممدوح ، ويبدو أن مقدرة الشاعر الفنية ، وتأصّل الاتجاه الشعري عنده ، هو الذي يفرض عليه لون الغزل الذي يقدم به للمدحة النبوية ، ولا يعقل أن يورد شاعر يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قصيدته ما يسيء إليها عامدا متعمّدا ، لذلك لم يردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على غزل كعب ، ولم يكره ذلك منه ،
--> ( 1 ) المجموعة النبهانية : 1 / 14 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 / 15 ، والحديث في مسند ابن حنبل : 5 / 158 .