محمود سالم محمد

317

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

لمن طلل دون الرّبا والتّنائث * يعفّى بأيدي العاصفات العوائث ومنخرق السّربال يخترق الفلا * ويقدم إقدام الشّجاع الدّلاهث فقلت له إن رمت أمنا وعزّة * فعذ من عوادي النّائبات الكوارث بأفضل مبعوث إلى خير أمّة * بخير كتاب جاء من خير باعث « 1 » وبعد أن وقف الصرصري على أطلاله المزعومة ، التي أذكت شوقه وحنينه على طريقة الشعراء القدامى ، تحدث عن رحلته وراحلته التي أوصلته إلى الحجاز ، وأوصله الحديث عنها إلى مديحه . وأخذ شعراء المديح النبوي يستعيضون شيئا فشيئا عن ذكر الأطلال والديار التي درج عليها الشعراء بذكر الأماكن الحجازية ، والتشوق إليها ، لأنها الأنسب للمديح النبوي ، فهذه الأماكن مقدسة عند المسلمين ، تهفو إليها أفئدتهم ، وهي التي شهدت ولادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونشأته وبعثته وجهاده وانتقاله إلى جوار ربه ، وضمّت جسده الطاهر ، فذكرها يوصل إلى ذكر من شرفت به ، إضافة إلى أنه يهيّئ المتلقي لسماع المديح النبوي ، بعد أن يذكر له هذه الأماكن التي تثير حنينه ، وتشيع في نفسه القداسة والصفاء . وكان شعراء العصر السابق للعصر المملوكي قد فتنوا بالتشوق للأماكن المقدسة ، وجعلوه فنا شعريا مستقلا ، لما أشاعه المتصوفة في شعرهم من وجد وهيام بهذه الأماكن ، وقد وردت معنا أمثلة وافية عند الحديث عن شعر التشوق إلى الأماكن المقدسة . والملفت للنظر في ذكر المقدسات ، تغزل شعراء المديح النبوي بالكعبة المشرفة ،

--> ( 1 ) ديوان الصرصري ، ورقمه 19 .