محمود سالم محمد

312

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وقد وصف الدارسون هذا العصر بالجمود والركود الأدبي ، وافتقاد حوافز التجديد والإبداع ، وانخفاض سوية الأدب ، واستغراق الأدباء في تقليب الصناعة اللفظية والزخارف البديعية . ونحن لا نستطيع أن نطلق حكما عاما على أدب عصر من العصور ، وخاصة على أدب العصر المملوكي ، الذي اتّسم بخصب الحركة الثقافية وتنوع إنتاجها ، عصر الموسوعات والمؤلفات الكبيرة التي حفظت تراث الأمة . والمسألة لا تتعدى أسلوبا في التعبير يختلف بين عصر وعصر ، وليست مسألة إبداع وابتكار ، فشعراء ذلك العهد كانت لهم وجهة نظرهم التي تتحدد في طلب التميّز ، وكان معيار التميّز في ذلك الوقت إتقان الصنعة ، وبذل الجهد العقلي في الملاءمة بين عناصر متباعدة ، وفي التلاعب بالألفاظ للدلالة على الثقافة والمقدرة ، ولإدهاش المتلقين ، فقد كانوا يظنون أنهم يطرفون حياة الناس بهذا الضرب من الشعر ، وكان الناس يطلبون هذا الضرب من الشعر ويستحسنونه ، لأنه يعبر عن حياتهم وما اعتادوه فيها . وعندما تابع شعراء العصر سابقيهم وجاروهم في أسلوبهم ، لم يكونوا مفتونين جدا بالقديم ، ولم يكونوا يقدسونه لقدمه ، بل لظروف موضوعية جدّت في عصرهم ، فقد أحس العرب « أن الأمم تريد أن تتخطفهم من حولهم ، وأن من واجبهم أن يتجمعوا ضدها ، وأن يحافظوا أقوى المحافظة على أمتهم ، وكل ما يشخّصها ويمثّلها من شعر وغير شعر ، ومن هنا مضوا يضمون شعر الأسلاف إلى صدورهم ، لا تقديسا للقديم من أجل قدمه . . وإنما صدروا عن شعور عميق بوجوب استمرار العروبة وروحها العظيمة ، وهو بذلك استمرار حي ، لا يعني بحال التحجر والجمود ، وإنما يعني الخصب والنماء » « 1 » .

--> ( 1 ) ضيف ، شوقي : فصول في الشعر ونقده ص 180 .