محمود سالم محمد

296

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا * متى أضع العمامة تعرفوني « 1 » فاتسع بعض شعراء المديح النبوي في أخذ المعاني من الشعر القديم ، ووضعها في سياق المدحة النبوية ، مع المحافظة على التعبير الأصلي ، أو تغيير ترتيب الجمل . والطريف من المدائح النبوية في هذا الباب ، ما نظمه بعض شعراء المديح النبوي ، حين شطروا قصائد قديمة مشهورة ، مثل قصائد امرئ القيس ، ومنها مدحة نبوية لحازم القرطاجني « 2 » ، أخذ فيها معلقة امرئ القيس ، وشطرها ، فجعل كل بيت من القصيدة يحوي شطرا من أبيات قصيدة امرئ القيس ، على هذا النحو : لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلا * بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل « 3 » وتمضي مدحته النبوية على هذا النحو ، يجهد الشاعر عقله في الملاءمة بين المعنى القديم وما يمكن أن يصير إليه عند إتمامه وتضمينه ونقله إلى المديح النبوي ، فصرف المعاني القديمة الوصفية والغزلية في قصيدة امرئ القيس يحتاج إلى مقدرة وصناعة وحذق وتفكير أكثر من الشاعرية . وزيادة على التظارف وإظهار المقدرة الفنية والعقلية ، اتكأ الشعراء هنا على الشعر القديم ، فأخذوا منه المعنى والوزن والقافية . وقد عد أدباء ذلك العصر هذه الطريقة في نظم المدائح النبوية من دواعي بروز الشاعر ، واشتهاره بالمقدرة على المواءمة ، لذلك أظهر ابن حجة الحموي في خزانته

--> ( 1 ) الأصمعيات : ص 17 . ( 2 ) حازم بن محمد بن حسين الأندلسي ، نزل تونس ، شاعر لغوي بلاغي له مصنفات ، توفي سنة ( 684 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 387 . ( 3 ) المقري : أزهار الرياض 3 / 178 .