محمود سالم محمد

289

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وصنت عن الخليقة حرّ وجه * بهم ما زال في تعب وعتب ليصفو بامتداح علاكك عيشي * ومن جدوى يديك يطيب كسبي وأنقل في الثّرى من ضيق لحد * لقصر في ذرا الجنّات رحب فنيت فليس فيّ سوى لسان * بذكرك يا جميل الذّكر رطب « 1 » فالشعراء أبدوا كلفهم بالمديح النبوي ، وارتياحهم لنظمه ، فوصفوه وصفا ماديا ومعنويا ، أظهر تعلقهم بذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فالبوصيري خاطب نفسه ، وحبّذ لها مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن مدحه مسك للروح ، وعبير للسامع ، وهو في ذلك يظهر أثر المدائح النبوية على الناظم والسامع ، فقال : يا نفس دونك مدح أحمد إنّه * مسك تمسّك ريحه والرّيح ونصيبك الأوفى من الذّكر الذي * منه العبير لسامعيه يفوح « 2 » وإذا انتشى البوصيري من عبق طيب المديح النبوي ، فإن غيره قد ثملوا وسكروا بهذا المديح ، وليس السكر الذي يعرفه طلاب الملذات ، وإنما هو السكر الذي تحدث عنه المتصوفة ، السكر بحب اللّه تعالى ورسوله ، والذي تحدث عنه الواعظ البغدادي في قوله : ثملنا سكرنا من مديح محمّد * أعده علينا فالمسّرات تحدث « 3 » وأوضح الحلّي ما تتركه المدائح النبوية في نفوس السامعين ، فقال في إحدى مدائحه النبوية :

--> ( 1 ) المجموعة النبهانية : 1 / 469 . ( 2 ) ديوان البوصيري : ص 103 . ( 3 ) الواعظ البغدادي : معدن الإفاضات ص 8 .