محمود سالم محمد

242

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

والتقوى في نفوس اللاهين ، أو الذين يميلون إلى الخوارق في كل شيء ، وخاصة العامة الذين يستهويهم القص ، ويرغبون في الخوارق التي تشبع عواطفهم الدينية ، ولذلك لم يلتفت شعراء المدائح النبوية إلى ما يثار حول هذه المعجزات من جدل ؛ ولم يميزوا بين ما هو ثابت الرواية صحيح النقل ، وبين ما هو ضعيف مشكوك فيه ، لأنهم وجدوا أنفسهم في رحاب الفن الذي يستجيب للخارق المفعم بالدلالات ، وليسوا في مجالس العلم التي تدقق في كل شيء . تفضيله : أراد شعراء المدائح النبوية إيصال ما يشعرون به إلى الناس بأية طريقة ، وما يشعرون به هو كمال رسول اللّه ، وتفرّده وعلو مقامه ، وليس أفضل من المعجزات تعبيرا عن ذلك . وربما انساقوا إلى هذا الحرص على ذكر المعجزات بفعل الجدل الديني مع أهل الكتاب ، الذين نسبوا إلى أنبيائهم معجزات كثيرة في معرض التفاضل بين الأنبياء والأديان ، فجارى المسلمون هؤلاء في الإكثار من نسب المعجزات إلى رسول اللّه ، ونثرها بين الناس ، وهذا ما قادهم في مدائحهم النبوية إلى تفضيل النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على الأنبياء جميعا ، وتقديمه عليهم في معجزاته وكماله ومكانته عند اللّه تعالى ، وقد أشاروا إلى ذلك في حديث الإسراء والمعراج ، إذ إن حديث الإسراء والمعراج يفصح عن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أمّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصلّى بهم في المسجد الأقصى ، وقابلهم أثناء عروجه إلى السماوات العلى ، وقد افتتح البوصيري همزيته في التفضيل هذا فقال : كيف ترقى رقيّك الأنبياء * يا سماء ما طاولتها سماء لم يّساووك في علاك وقد حا * ل سنا منك دونهم وسناء إنّما مثّلوا صفاتك للنّا * س كما مثّل النّجوم الماء « 1 »

--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 49 .