محمود سالم محمد

216

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وهكذا مضى الشعراء في وصف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومدحه بالقيم التقليدية التي عرفت في المديح العربي ، لكنهم وصلوا فيها إلى مراتب لم يصلها مدّاح غيره ، لأن حدود المبالغة مفتوحة أمامهم ، لا يوجد ما يحدهم في الإشادة به كيفما يشاؤون ، فيمزجون القيم الأخلاقية مع المحاسن الجسدية ، مع الفضائل الاجتماعية ، في تناسق وتكامل ، اقتضته شخصية رسول اللّه المتكاملة ، فمدحه النصيبي « 1 » بقوله : نبيّ سخيّ حييّ وفيّ * أبرّ البريّة قولا وفعلا وسيم عليه يلوح القبول * وسيما السّعادة مذ كان طفلا وما زال يملأ أرض العدوّ * في طاعة اللّه خيلا ورجلا « 2 » وظل شعراء المديح النبوي ينظمون مناقب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخصائصه الفاضلة في عقد بديع ، ويقرنون بعضها إلى بعض ، باذلين جهودهم في إخراجها الإخراج الذي يليق بصاحبها ، فالصرصري وصفه بقوله : جمعت له غرّ المناقب فهي كال * عقد النّظيم لا تتوزّع « 3 » ولم يقارن شعراء المدائح النبوية رسول اللّه بأحد ، فالمقارنة لا تصح هنا ، لكنهم فضّلوه على جميع البشر فقال الصرصري : جمعت ما في الكرام الزّهر مفترق * وزدت فضلا عظيما غير محصور فأنت سيّد أهل الفضل أجمع في * أصل وفرع وتقديم وتأخير « 4 »

--> ( 1 ) النصيبي القوصي : محمد بن عيسى ، أديب شاعر محدّث ، كانت له مشاركة في النحو واللغة والتاريخ ، ومعرفة بالبديع والعروض ، له قدرة على ارتجال الشعر ، توفي سنة ( 707 ه ) . الأدفوي : الطالع السعيد ص 615 . ( 2 ) الأدفوي : الطالع السعيد ص 616 . ( 3 ) ديوان الصرصري : ورقة 57 . ( 4 ) ابن شاكر : فوات الوفيات 4 / 310 .