محمود سالم محمد
214
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
كلها ، ولم يفخروا بنشرها ، لأنهم عاجزون عن حصر هذه الفضائل أو عن إدراك جوهرها ، أو كما قال تقي الدين الطبيب « 1 » : مجد كبا الوهم عن إدراك غايته * وردّ عقل البرايا وهو معقول « 2 » ولم يفت شعراء المدائح النبوية أن يجاروا غيرهم ، ويمدحوا رسول اللّه بجمال الخلقة والهيئة ، بل إن الوصف الخارجي الذي لا يعد من المديح المجلي ، والذي نادرا ما يلجأ إليه الشعراء إلا بلمحات خاطفة ، يصبح عند شعراء المديح النبوي ذا دلائل خاصة ، فهو يشبع حاجة الناس لمعرفة شكل رسولهم الممجّد ، وتشكيل صورة له في أذهانهم وأحلامهم ، وهو من ناحية ثانية يعبّر عن الجمال المطلق الذي تعلّق به الصوفية ، والذي هو من درجات الكمال ، ولمّا كان الرسول الكريم أفضل البشر أخلاقا وأعلاهم مقاما وجب أن يكون عند الشعراء أجمل الناس وجها ، وأتمهم خلقة ، لذلك أكثروا من وصف جماله ، والتغني بحسنه وبهائه ، وهم يقتدون بشاعره حسان بن ثابت ، الذي قال فيه : وأحسن منك لم تر قطّ عيني * وأجمل منك لم تلد النّساء خلقت مبرّأ من كلّ عيب * كأنّك قد خلقت كما تشاء « 3 » وبكعب بن زهير الذي وصفه بقوله : مسح النّبيّ جبينه * فله بياض بالخدود وبوجهه ديباجة * كرم النّبوّة والجدود « 4 »
--> ( 1 ) تقي الدين الطبيب : شبيب بن حمدان بن شبيب ، الأديب الفاضل ، الطبيب الكحال الشاعر ، له ديوان شعر ، توفي سنة ( 695 ه ) . الصفدي : الوافي بالوفيات 16 / 107 . ( 2 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 16 / 107 . ( 3 ) ديوان حسان بن ثابت : ص 66 . ( 4 ) ديوان كعب بن زهير : ص 259 .