محمود سالم محمد
210
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فالنبي الكريم اختاره اللّه تعالى ليحمل رسالة الهداية والرحمة للناس أجمعين ، فهيّأه لهذه المهمة الكبرى « وخصّه بخصائص لم يشاركه أحد فيها » « 1 » . فهو نسيج وحده في كمال خلقه وخلقه ، وفي فضائله ومكانته ، أثنى عليه ربه مرات كثيرة ، وجعله مثالا للكمال الإنساني ، فكيف يستطيع البشر الوفاء بمدحه ووصفه وحصر فضائله ؟ وقد مرّ معنا في السابق كيف مدحه أصحابه وشعراء زمانه مدحا تقليديا ، لا يكاد يخرج عمّا اعتادوا عليه وألفوه في مدح ساداتهم وأشرافهم ، وكيف تابعهم بعض مدّاح النبي في ذلك ، فلم يخرجوا إلا قليلا عن القيم الاجتماعية المعروفة ، والتي كانت تحظى بالتقدير عندهم ، فيمدح بها من نال إعجابهم ورضاهم ، ومن جسّد مثلهم وأحياها . فالقيم الاجتماعية المعروفة عند العرب مثل الكرم والشجاعة والعزة وطيب المحتد ، اعتنى بها الإسلام وهذّبها وأقرّها ، وأعطاها مفهوما إنسانيا جديدا ، مغايرا لما كانت عليه فأضحت من عوامل التقدم والتكافل الاجتماعي ، بعد أن كانت للمباهاة وحب الظهور ، بل إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 2 » . ومنذ القدم تعلق الناس بأخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأشادوا بها ، بل لقد أثنى عليها خصومه المشركون الذين كفروا برسالته ، لكنهم لم يستطيعوا إلا أن يعترفوا برفعة أخلاقه وسمو روحه ، وهذا ما بهر شعراء المدائح النبوية ، فأخذوا يبدؤون ويعيدون في ذكر أخلاقه وشمائله الطيبة ، ويفتنّون في عرضها ، فالبوصيري يؤخذ بفضائل النبي الكريم فيميزها عن فضائل غيره ، ويقول :
--> ( 1 ) ابن البنا السرقسطي : الفتوحات الإلهية ص 100 . ( 2 ) جاء في مسند ابن حنبل ( بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) 2 / 381 ، وجاء في موطأ مالك ( بعثت لأتمم حسن الأخلاق ) ، كتاب حسن الخلق ، الحديث الثامن ص : 904 .