محمود سالم محمد
190
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد يكون مأخذ العلماء على المحتفلين بالمولد النبوي ، يتعدى المظاهر ، وما يفعل به من أعمال لا تتلائم مع الشريعة ، وينصبّ على ما يقال في هذا المولد ، والذي يختلط بعقائد فاطمية تسرّبت إليه ، لأن الفاطميين هم من أوائل الذين احتفلوا بالمولد النبوي ، ولا شك أنهم جعلوه مناسبة لترويج عقائدهم ، وكذلك المتصوفة ، الذي أدخلوا بعض آرائهم إلى المولد النبوي ، فهم الذين كانوا يحيون احتفال المولد ، ويقيمون حلقات الذكر فيه ، ويتغنون بأناشيدهم ، والمعروف عنهم ميلهم إلى الغيبيات ، ووضع قصص المعجزات ، مثلهم مثل الوعاظ الذين يؤلّفون قصص الوعظ الحافلة بمبالغات الترغيب والترهيب ، فدخلت القصص الخيالية إلى الموالد النبوية التي جعلها المتصوفة « أحبولة يتصيّدون بها أهواء الناس . . . فهم لا يكتفون بقراءتها في الذكرى ، ولكنهم يقرأونها حين تخلق المناسبات كحفلات الأعراس » « 1 » . ولذلك كانت مقاومة بعض علماء المسلمين لهذه الأفكار نابعة من حرصهم على ألا يصبح المولد النبوي مدخلا للأفكار الغريبة التي تشوه صفاء الشريعة ، أو مدخلا لإضفاء نوع من الشرعية على بعض ألوان الملاهي ، لهذا أطنب أحد العلماء « في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والتغني بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف » « 2 » . بيد أن كتاب المولد النبوي كانوا متحمسين للمولد ، لا يعبؤون بما يقال عنهم ، ويدعمون توجههم بآراء علماء الدين الذين استحبوا هذه البدعة ، فجاء في مولد الهدى : « وقد أقر الإمام أبو شامة « 3 » شيخ الإمام النووي ، « 4 » ، وابن الجوزي « 5 » ،
--> ( 1 ) مبارك ، زكي : المدائح النبوية في الأدب العربي ص 245 . ( 2 ) الديار بكري ، حسين : تاريخ الخميس ص 223 . ( 3 ) أبو شامة : عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي ، مؤرخ محدث ، ولي بدمشق دار الحديث الأشرفية ، له كتاب ( الروضتين في أخبار الدولتين ) توفي سنة ( 665 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 318 . ( 4 ) النووي : يحيى بن شرف الحزامي ، علامة بالفقه والحديث مولده ووفاته في نوى من قرى حوران ، تعلّم في دمشق وأقام بها طويلا ، من كتبه ( المنهاج في شرح صحيح مسلم ) وحلية الأبرار ، توفي سنة ( 676 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 354 . ( 5 ) ابن الجوزي : عبد الرحمن بن علي القرشي ، علامة عصره في التاريخ والحديث ، كثير التصانيف ، منها ( تلبيس إبليس ) توفي سنة ( 597 ه ) . ابن خلكان : وفيات الأعيان 3 / 140 .