محمود سالم محمد
188
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
الراسخة ، وقد نقل المؤرخون كثيرا من أوصاف الاحتفال بالمولد النبوي في أقطار مختلفة متباعدة ، وكلها متشابهة تقريبا ، فصاحب إربل الذي عزيت إليه بداية الاحتفال بالمولد النبوي ، أو وضع شعائر هذا الاحتفال ، كان احتفاله به يقصر الوصف عن الإحاطة به ، « كان الفقهاء والصوفية والوعاظ والقرّاء والشعراء يتوافدون إليه من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ، فيعمل القباب ويزيّنها ويقعد في كل قبة جوق من المغاني ، وجوق من أرباب الخيال وأصحاب الملاهي ، يتفرج عليها الناس ، ويفعل هو كذلك ، ثم يخرج الإبل والبقر قبل المولد بيومين ، ويزفّها بالطبول والمغاني والملاهي ، حتى يأتي بها إلى الميدان وينحرها ويطبخها ، فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ، ثم ينزل وبين يديه الشموع المشتعلة . . . فإذا كان صبيحة يوم المولد ، أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية ، ثم ينزل إلى الخانقاه حيث تجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس ، وينصب ( كرسي ) للوعاظ ، ويعرض الجند في ذلك النهار ، ثم يقدم الطعام لعامة الناس ، وللمجتمعين عند الكرسي ، ويخلع على المتوافدين عليه ، ويبيت تلك الليلة هناك ، ويعمل السماعات إلى بكرة » « 1 » . ويظهر أن ابن دحية « 2 » قد وصل إلى إربل ، فرأى اهتمام صاحبها بالمولد النبوي ، فعمل له كتاب « التنوير في مولد السراج المنير » « 3 » . فإذا كان هذا حال صاحب إربل مع الاحتفال بالمولد النبوي ، فكيف يكون حال المماليك الذين حرصوا على مظاهر البذخ والعظمة في كل عمل من أعمالهم ؟
--> ( 1 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 4 / 117 . ( 2 ) ابن دحية الكلبي : عمر بن الحسن بن علي ، أديب مؤرخ حافظ للحديث ، رحل من الأندلس واستقر بمصر من كتبه ( نهاية السول في خصائص الرسول ) و ( التنوير في مولد السراج المنير ) توفي سنة ( 633 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 260 . ( 3 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 4 / 312 .