محمود سالم محمد
184
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فإذا ما أسعف الدهر أحدهم بالوصول إلى الأماكن المقدسة ، وشاهد على البعد المدينة المنورة ، اتّقد شوقه وزاد وجده ، وعلت همّته ، وأسرع بالمسير على الرغم من بعد السفر ومبلغ الجهد ، وانتابته مشاعر الهيبة والقداسة وشعر كأنه دخل عالما آخر أو تهيأ للدخول . وقد وصف أحدهم ما حصل حين شارف الحاج المغربي المدينة المنورة ، فقال : « لما دخلنا المدينة ، ومعنا الوزير أبو عبد اللّه بن أبي قاسم بن الحكيم ، وكان أرمد ، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها ، نزلنا عن الأكوار ، وقوي الشوق لقرب المزار ، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابا لتلك الآثار ، وإعظاما لمن حلّ تلك الديار ، فأحس بالشفاء ، فقال : ولمّا رأينا من ربوع حبيبنا * بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبّا وبالتّرب منها إذ كحلنا جفوننا * شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا وإنّ بقائي دونه لخسارة * ولو أنّ كفّي تملأ الشّرق والغربا « 1 » من كل ذلك يبدو لنا أن فن التشوق للأماكن المقدسة ، كان في بداية أمره حنينا من أهل الحجاز إليه ، وكان بديلا في القصائد الدينية عن الوقوف على الأطلال ، ثم ظهر معبرا عن الشوق والحنين عند الذين لم يستطيعوا أداء فريضة الحج وزيارة تلك المعاهد الطاهرة ، ومعبرا عن العشق والوجد عند المتصوفة الذين جعلوا للأماكن المقدسة مكانا هاما في طريقتهم ، فانتشر هذا الفن الشعري ، واستقل بقصائد خاصة به ، ثم أضحى من لوازم المديح النبوي ، وأفضل ما يقدم به للمدحة النبوية . وإذا كان التشوق للمعاهد الحجازية نابعا من قدسيتها ، وهذه القداسة تعود فيما تعود ، إلى شهودها ولادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعثه ودفنه فيها ، فإن ذكر الأماكن المقدسة
--> ( 1 ) المقري : نفح الطيب 2 / 623 .