محمود سالم محمد

177

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فالمؤمنون جميعا في شوق إلى الأماكن المقدسة ، وإلى أداء فريضة الحج ، وزيارة قبر النبي الكريم ، أما المتصوفة فإن طريقتهم في العباد تجعل شوقهم إلى المقدسات يستبد بهم ، ويأخذ عليهم أنفسهم . وهكذا اشتد ذكر الأماكن المقدسة للدواعي المختلفة التي عرضنا لها ، وأضحى هذا الذكر فنا شعريا قائما بذاته ، يعبر به الشعراء عن شوقهم للأماكن التي رفع اللّه قدرها ، والتي شهدت ولادة رسول اللّه ونشأته ومبعثه ووفاته . ولا يوجد في هذا الفن ما يفرض على الشعراء قيودا من أي نوع ، لذلك ذهب به الشعراء كل مذهب ، وأجادوا في قوله أيما إجادة ، وعبّروا من خلاله بحرية تامة عن عواطفهم الدينية ، ومشاعرهم السامية ، وأظهروا فيه مقدرتهم الفنية ، فجعلوه نفثات أنفسهم ، ورفيف أرواحهم ، ووجدوه أنسب ما يقدمون به للشعر الديني ، وقصائد المديح النبوي منه خاصة ، فأحيوا تلك الأماكن وناجوها ، واستنطقوا تلك المعاهد وحاوروها ، وحمّلوا النسيم والبرق رسائلهم إليها ، وأضفوا على نياقهم المشاعر الإنسانية ، وخلعوا عليها عواطفهم وأحاسيسهم ، فأشركوها معهم في شوقهم وحنينهم ، مثل قول جعفر السراج ( ت 500 ه ) : قضت وطرا من أرض نجد وأمّت * عقيق الحمى مرخى لها في الأزمّة وخبّرها الرّوّاد أنّ لحاجر * حيا نورّت منه الرّياض فحنّت وغنّى لها الحادي فأذكرها الحمى * وأيّامها فيه وساعات وجرة وقد شركتني في الحنين ركائبي * وزدن علينا رنّة بعد رنّة « 1 » وقد أسكن الشعراء معاهد الحجاز محبوباتهم ، وأرسلوا إليهن شوقهم ووجدهم ،

--> ( 1 ) الحموي ، ياقوت : معجم الأدباء 7 / 155 .