محمود سالم محمد

12

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

« ومن الخير أن أصارح القارئ بأن هذه الفصول نسخت نسخا من الكتاب الأصيل ، فلم يحذف منها شيء ، ولم يضف إليها شيء » « 1 » . ولم يكن فن المدائح النبوية لذلك العصر فنا طارئا على الأدب العربي ، فقد عرف في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جزء من الشعر الديني ، الذي يعد أقدم ألوان الشعر عند الأمم جميعها ، فالتقاء الفن بالدين قديم ضارب في أعماق التاريخ ، فقبل الأديان السماوية كانت الصلاة مقرونة بالرقص والترنّم بالأغاني تقربا للإله ، وكانت العبادة ألوانا من الفنون إلى جانب النصوص التي كانت تتلى ، والتي كانت تعد من الأدب الجميل ، الذي يحتفل في إنشائه ليؤثر في سامعيه . وكان الدين وما يزال من المصادر الهامة التي تمد الأدباء بموضوعات أدبهم ، وترقق مشاعرهم وأحاسيسهم وتوحي لهم بكثير من إبداعاتهم . ويلتقي الدين والأدب في هدفهما ، وهو تقويم النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني ، وإشباع الحاجة الإنسانية إلى الخير والجمال ، وقد خدم الأدب العقيدة منذ القدم ، فسجل دعوتها ، وبث شعائرها بين البشر ، وشرح مضامينها ، وشاركها في بث الفضائل في نفوس الناس ، وترغيبهم بالأخلاق الحسنة وتنفيرهم من الرذائل . ومن هنا جاءت المدائح النبوية فنا أصيلا من فنون الشعر الديني ، له خطره وله مكانته عند المسلمين فهو متعلق بصاحب الدين والمثل الإنساني الأعلى ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شخصية إنسانية فريدة ، هي أعظم شخصيات التاريخ الإنساني ، فكان لا بد للأدب من أن يغتني بالحديث عنها ، وكان لا بد للأدب من أن يشيد بها وبفضائلها ، ويقدم للناس فيضا من خصائص الإنسان الكامل ، ليقتدوا بها ، وتصفو نفوسهم بتملّيها ، وشخصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استوجبت المدح من المسلمين وغيرهم لعظمتها وسموها .

--> ( 1 ) مبارك ، د . زكي : المدائح النبوية في الأدب العربي ص 9 .