محمود سالم محمد
119
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وإذا كنّا قد تحدثنا عن مسيرة فن المديح النبوي في المشرق العربي ، فهذا لا يعني أن المغرب العربي كان لا يعرف هذا الفن ، ولم ينظمه شعراؤه ، بل ربما سبق المغاربة المشارقة إلى هذا الفن ، لأننا نجد عندهم قصائد كاملة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، متقدمة زمنيا على ما نجده عند المشارقة ، ولسنا هنا في معرض البحث عن أوّلية هذا الفن ، ومن الذي بدأه ، وفي أي قطر من الأقطار العربية الإسلامية ظهر بادئ ذي بدء ، لأن هذا الأمر يظل تخمينا وعرضة للخطأ بسبب فقدان قسم كبير من الشعر العربي ودواوين الشعراء ، وخاصة تلك التي ترجع إلى القرون الأولى من عمر الدولة العربية الإسلامية ، ولا أظن أن فائدة كبيرة ترجى من معرفة أوّل من نظم المديح النبوي بعد عصر النبي الأمين ، وفي أي مكان كان ظهور هذا الفن على الشكل الذي ساد بعد ذلك ، وإنما نحاول ذلك تقريبا ، من خلال استعراض التراث العربي في عصوره المتتابعة لنبيّن ملامح تطور هذا الفن إلى أن وصل إلى الدولة المملوكية . فنجد مثلا لابن حبيب ، عبد الملك السلمي « 1 » ، الذي توفي سنة ( 238 ه ) قصيدة يذكر فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في معرض حديثه عن زيارته للمدينة المنورة ، فيقول : للّه درّ عصابة صاحبتها * نحو المدينة تقطع الفلوات حتى أتينا القبر قبر محمّد * خصّ الإله محمّدا بصلاة خير البريّة والنّبيّ المصطفى * هادي الورى لطرائق الجنّات لمّا وقفت بقربه لسلامه * جادت دموعي واكف العبرات صلّى الإله على النّبيّ المصطفى * هادي البريّة كاشف الكربات « 2 »
--> ( 1 ) ابن حبيب : عبد الملك بن حبيب بن سليمان السّلمي القرطبي ، عالم الأندلس وفقيهها في عصره ، زار مصر ، كان عالما بالتاريخ والأدب وفقه المالكية . توفي سنة ( 238 ه ) . ( 2 ) المقري : نفح الطيب 1 / 46 .