محمود سالم محمد
116
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ويقول في ممدوحه ، وفيما أحرزه من عزّ لبني جلدته : بنيت للعجم المجد المبلّغهم * مجدا بناه رسول اللّه للعرب « 1 » فكأن سيرة النبي الكريم وأحواله حضارة دائما في ذهن ابن حيوس وأمثاله ، يلتقط منها ما يناسب موضوعه ليتمثل بها ويحتج لكلامه ، وليس هناك أبلغ وأصدق من التمثل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أقواله وأفعاله . وقد ظهرت في هذا العصر مدائح نبوية متكاملة ، عدت بداية فن المدائح النبوية ، وإن كنا نجد مدائح نبوية سابقة لهذا العصر ، لكنها كانت قليلة ومتباعدة ، ولم تشكل ظاهرة أدبية ، ولكنها في هذا العصر ، وخاصة في المرحلة الأيوبية ، كثرت ، وأضحى المديح النبوي فنا أدبيا مستقلا بذاته ، يشارك فيه معظم الشعراء . وقد تداخل العصر الأيوبي مع العصر المملوكي ، لأن معظم الشعراء الذين نظموا في المديح النبوي عاشوا شطرا من حياتهم في دولة بني أيوب ، وأمضوا الشطر الآخر في دولة المماليك ، والظواهر الاجتماعية والأدبية لا تخضع في تقسيمها للتقسيم السياسي ، وإن الأخذ في تقسيم عصور الأدب وتطوره حسب تعاقب الدول لا يهدف إلا لتسهيل الدراسة ، ليس إلا . فإن أي تغير سياسي أو اجتماعي ، لا يستجيب له الأدب إلا بعد مدة مناسبة من الزمن ، فالأدباء يظلون على تقاليدهم الأدبية التي نشؤوا عليها ، ويحتاج الجديد إلى وقت ليختمر في النفوس ، وليتمثّله الأدباء ومن ثم ليرتد إلى خارج النفس على شكل إبداع أدبي . ولذلك نجد البدايات في قصائد المديح النبوي قصائد معارضة لقصائد مدح فيها النبي الأمين في حياته تهيّبا من الإقدام على مثل هذا العمل الجليل ، وخوفا من الوقوع في الخطأ وقلّة الانتباه ، وللتدرب على كيفية الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومخاطبته قبل
--> ( 1 ) ديوان ابن حيوس : ص 73 .