محمود سالم محمد
111
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إلا أن المتصوفة مزجوا ذكرهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعقائدهم ، وبرموزهم التي تستغلق على المطلع ، والتي لا يعرف مدلولاتها إلا من تشبع بمبادئهم ورياضاتهم الروحية ، فابن عربي يقول : يا أهل يثرب لا مقام لعارف * ورث النّبيّ الهاشميّ محمّدا عمّ المقامات الجسام عروجه * وبذاك أضحى في القيامة سيّدا صلّى عليه اللّه من رحموته * ومن أجله الرّوح المطهّر أسجدا لأبيه آدم والحقائق نوّم * عن قولنا وعن انشقاق قد هدى فجوامع الكلم التي أسماؤهما * في آدم هي للمقرّب أحمدا « 1 » ويتضح من شعر ابن عربي أنه يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من منطلق عالم الصوفية الغيبي ، فالمتصوفة لا يتحدثون عنه إلا ضمن عالم الغيب الذي بنوه لأنفسهم ، لذلك يتضح من شعرهم جانب ، ويغمض جانب ، وهم يدورون داخل نطاق الحقيقة المحمدية ، لا يخرجون عنها ، وحين بذكر ابن عربي الرسول الأمين مادحا يذكره ضمن قصائد تتحدث عن طريقته ، أو ضمن مقطوعات صغيرة ، بدأها واضحا ، ثم استغرق في إبهام لا يحسن تفسيره إلا المتصوفة أنفسهم ، وكأنه يعطي السامع أو القارئ ما يدل على الموضوع ، ويسير به شيئا فشيئا إلى عالمه الخاص ، ومن ذلك قوله : صلّى عليه اللّه من سيّد * لولاه لم نعلم ولم نهتد قد قرن اللّه به ذكره * في كلّ يوم ، فاعتبر ترشد عشر خفيّات وعشر إذا * أعلن بالتّاذين في المسجد فهذه عشرون مقرونة * بأفضل الذّكر إلى الموعد « 2 »
--> ( 1 ) ابن عربي : الديوان الأكبر ص 79 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 24 .