محمد سعيد رمضان البوطي

6

محمد ( ص ) على ألسنة الشعراء

وذلك أيضا ، لأن الشاعر إذ يندفع إلى مدح محمد عليه الصلاة والسلام ، لا يحمله على ذلك طمع في مغنم أو خوف من مغرم ، مما كان يحمل الشعراء على طرق أبواب الأمراء والقيام بين أيديهم مثنين ومادحين . . وإنما يحدوه إلى ذلك شعور داخلي لاهب ، وكثيرا ما يكون هذا الشعور نقدا ذاتيا من الشاعر لنفسه وأسى مريرا على العهود الغابرة من عمره ، ورغبة ملحّة في الالتجاء إلى ساحة النبوة ، والانغماس - بعد الرحلة المضنية - في مغتسل طهور من الأنوار والرحمة المحمدية . والنفس الانسانية ذات شأن عجيب ! . . إنها قد توغل بصاحبها في أودية التيه أو الضياع ، ولكنها تظل في حين دائم إلى قمم النور وشطآن النجاة . . لا تعجب إن رأيت صاحب هذه النفس شاردا في سلوكه منحطّا في أفانين غيّه ، ثم أصغيت منه مع ذلك إلى أنين يحنّ إلى الطهر ، ولوعة تترامى على أعتاب الرحمة الإلهية ، وتسفح الدمع سخيا أمام واسطة هذه الرحمة ، محمد عليه الصلاة والسلام . فإن أوتي مثل هذا الانسان ، مع ذلك ، بيانا من الشعر ، كان له فيه أروع قيثار يستخرج صدق أحاسيسه النيرانية ، بل النورانية اللاهبة ، ويصوغها في شجو يأخذ اللب ويأسر النفس . وإذا صحّ أنّ أعذب الشعر أكذبه ، فلا ريب أن أحّر الشعر أصدقه ! . . وإنما عذوبة الشعر صنعة كلامية وصقل لألفاظ ، أما حرارته فهي النبض الذي يبعث فيه الحياة التي تسري بالتأثير في قلوب الآخرين . . وقديما قالت العرب : ليست النائحة كالثكلى . ولا أذكر أني قرأت قصيدة ، لشاعر مجيد ، يمدح فيها محمدا عليه الصلاة والسلام ، إلا وتملّكني منها تأثير كبير ، واستبدّت بي رقة تذيب النفس ، أيا كان الشاعر ومهما كان شأنه . وإنما مردّ ذلك ، إلى ما قلت : الشعر الذي أخذ حظه ، إذ تحرك في ميدان فسيح من الوصف والبيان والإطراء ، دون أن تشمّ فيه رائحة غلو أو تكلف في القول . . والشاعر الذي أفرغ أحاسيس قلبه ، لوعة وحبا وإجلالا ، في واحة تلك العبارات والأوزان .