مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

81

محمد ( ص ) في مكة

بينما كان الايمان بالشرف وامتياز القبيلة هو محور الحياة البدوية ، فقد كانت هناك خلفية فكرية لهذا الاعتقاد تستحق الملاحظة . فايمان العرب بالقضاء والقدر مشهور ، ولكن يبدو أنه ايمان محدود ، فإنهم لا يعتقدون أن جميع أعمال الانسان مقدورة عليه وانما فقط بعض أمور حياته . ولقد ذكرت في موضع اخر أننا نجد في بعض الأحاديث المعترف بها أفكارا جاهلية في ثوب اسلامى ، وبصفة خاصة الأمور التي كانت تنسب إلى الدهر أو القدر أصبحت تنسب إلى الله بشكل مباشر أو غير مباشر . فإذا كان الأمر كذلك ، فان الأمور الأربعة التي تنحصر داخلها الحياة الانسانية في حدود ضيقة بالقضاء والقدر هي : الرزق والأجل وجنس الطفل وسعادته أو شقاؤه ، ولم يكن ذلك دينا ، فان القدر لم يكن معبودا ، بل كان نوعا من العلم لأنه كان أساسا اقرارا بحقائق ، ففي ظروف المعيشة في الصحراء ، تكون الأمور التي ذكرناها وراء قدرة عقل الانسان وحكمته ، فالرزق غير مستقر إلى درجة كبيرة ، فربما تمتعت قبيلة بمطر غزير ومرعى خصيب ، بينما تحرم قبيلة مجاورة من كليهما ، والأمل في الحياة قليل ، إذ غالبا ما يأتي الموت فجأة وعلى غير توقع نتيجة صدام يحدث بالصدفة ، وحتى في أيامنا ، فإننا لا نستطيع بكل ما أوتينا من علم أن نتنبأ بجنس الجنين فضلا عن أن نتحكم فيه . « وكذلك فان التقلبات الحادة في الثروة أمر معتاد في الصحراء ، حتى أن خبرة العمل عند البدوي ليس فيها شئ غير متوقع » * . وهكذا كان تحقيق المثل الأعلى للمروءة ، بالصورة التي كان عليها ، في اطار ثابت ، فمن المحتمل أن جريان دم نبيل في عروق أحدهم كان

--> * كتب المؤلف هذا الكلام قبل عام 1953 وهو عام اصدار أول طبعة من هذا الكتاب ، ولكن بعد ابتكار أجهزة الموجات فوق الصوتية فقد أمكن معرفة جنس الجنين بدرجة لا بأس بها من الدقة وذلك بعد أن يكون جنس الجنين قد ظهر بالفعل ، أما علم اللّه فيعلم جنس الجنين قبل أن يخلق في الأشهر الأولى للحمل - ( المترجم ) .