مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

76

محمد ( ص ) في مكة

سبيل ، وربما يكون هناك وجه شبه بين هذا الاستخدام المتساهل والسخى بحق للأشياء النادرة الوجود ، والاسراف في شرب الخمر الذي يتفاخر به الشعراء . هل نرى في هذين الأمرين مظهرا من مظاهر فضيلة « عدم التفكير في الغد » ؟ من المحتمل أنه في الحياة في الصحراء إذا فكر الانسان في جميع احتمالات الكوارث المخيفة وحاول أن يقى نفسه منها جميعا ، فإنه يتحول إلى حطام انسان فاقد لأعضائه وينتهى به الأمر اما إلى فناء أو إلى أن يترك الحياة في الصحراء أو أن يتحول إلى تابع لقبيلة أقوى . وفي الصحراء ، هناك الكثير من الأمور لا يمكن التوصل إليها « بالتفكير » ، فالظروف غالبا ما تكون غير مؤكدة ولا يمكن التنبؤ بها وشاذة تماما ، وعلى هذا فان توفير قدر من خلو البال من الهموم لهو الحكمة العالية ، ولا شك في أن هذا هو السبب في الاعجاب الشديد بفضيلة الكرم . كان الوفاء والاخلاص أيضا من الفضائل الهامة ، فمن الناحية المثالية ، كان على الرجل أن يكون مستعدا للاسراع إلى مساعدة أحد أبناء قبيلته فور طلب المساعدة ، وعليه أن يتصرف في الحال بدون انتظار معرفة تفاصيل الحدث . وكذلك على الفرد أن يكون مع القبيلة حتى لو لم يكن موافقا على قرارات شيوخها ، ومرة أخرى ، بالرغم من أن الرجال لم يكونوا يترددون في الاستيلاء على ممتلكات القبائل الأخرى ، الا أنه كان هناك قدر كبير من الاخلاص في حفظ الأمانة ، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك السموءل بن عادياء الذي اثر أن يترك ابنه يقتله الجيش المحاصر على أن يفرط في بعض الأسلحة التي تركها امرؤ القيس وديعة عنده ، وقد يعتبر هذا الموقف امتدادا للولاء المتوقع بين أفراد القبيلة وأولئك الذين بينهم وبينها تكافل مصطنع نتيجة لاتفاقيات . ونتيجة لاستقلال شيوخ القبائل ، لم يكن في الصحراء قانون أعلى يحكم الجميع ، وفي الحقيقة كان من المستحيل المحافظة على القانون والنظام في المساحات الشاسعة للبادية العربية والشامية الا حيثما يوجد حاكم قوى وحكيم بدرجة غير عادية ، أو حيثما يكون للحاكم تفوق ساحق في القوات والعتاد ( مثل الطائرات والسيارات المصفحة في مواجهة