مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
72
محمد ( ص ) في مكة
المصطنع » نتيجة للأحلاف أو الجوار ( الشكل الاصطلاحي لمنح الحماية ) ولأسباب كثيرة ، كان الحليف أو الجار يعامل كأحد أفراد القبيلة أو العشيرة ، ويكون الحلف أو التحالف عادة بين أنداد ، ولكن هذا لا يمنع جماعة ضعيفة من أن تكون حليفة لقبيلة قوية للحفاظ على وجودها . بينما كانت القبيلة أو تحالف القبائل يمثل أعلى درجات الواحدة السياسية ، كان العرب يدركون أيضا أنهم يمثلون واحدة بصورة أو أخرى ، وكانت هذه الواحدة على أساس من واحدة اللغة ( وان كان هناك بعض الاختلاف بين اللهجات ) ، والتراث الشعرى المشترك ، والعادات والأعراف والأفكار المشتركة وكذلك الأصل المشترك . وكانت اللغة هي الأساسي الأصلي للتمييز بين العرب و « الأجانب » ( العجم ) ، وكذلك كان الحال بين الإغريق و « البرابرة » . وكانت الصحراء العربية والشامية هي الأساس الجغرافي للواحدة ، وغالبا ما كانت كلمة العرب تعنى « البدو » . أما الأصل المشترك فكان ، على وجه التحديد ، من واحد من اثنين عدنان أو قحطان ، ولكن امتزجت الجماعتان بعد ذلك . وحتى لو كان هذا الأصل المشترك مجرد خيال ، كما يدعى بعض علماء الغرب ( وربما كانوا مبالغين في الشك إلى درجة كبيرة ) ، فان مجرد وجود هذا الاعتقاد يتضمن بعض الاقرار بالواحدة . ولقد أصبح لهذا المفهوم عند العرب بأنهم أمة واحدة ، وما تبع ذلك من أنهم مميزون عن باقي الشعوب ( وأعلى منهم ) - أهمية كبرى في الفترة المدنية من حياة محمد ( عليه الصلاة والسلام ) ، حيث كان يتطلع إلى درجة من الواحدة السياسية بين العرب لم يسبقه إليها أحد من القادة العظام في الجاهلية . تنطبق مبادئ التكافل القبلي التي ذكرناها بصفة عامة على مجتمع مكة ، ولكن لم تكن الواحدة المؤثرة في زمان محمد ( عليه الصلاة والسلام ) هي قبيلة قريش ككل ولكن العشائر المستقلة ، ولا يزال أمن الفرد وممتلكاته متوقفا على استعداد عشيرته للانتقام لمقتله أو سرقته ، وقد يؤدى الامساك برجل بدون اذن زعيم عشيرته إلى نزاع ، وكان هذا هو الحال في المدينة في السنين الأولى القليلة لهجرة محمد ( عليه الصلاة والسلام ) ، وكان هذا المبدأ أيضا هو الذي مكنه من الدعوة في مكة