مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

63

محمد ( ص ) في مكة

بدر بلاء حسنا حتى لو كانت بطولات على وحمزة مبالغا فيها إلى درجة كبيرة ، وحتى لو كان الأنصار هم المقاتلين الأفضل من جميع النواحي . لكل هذه الأسباب ، نرى أنه من الواضح أن رياسة قريش لم تكن بسبب براعتهم في القتال كأفراد . كان سر مهابتهم قوتهم العسكرية التي يستطيعون أن يواجهوا بها أي خصم ، ولم تكن هذه القوة قوتهم واحدهم بل كانت قوتهم مع أحلافهم ، وقد تأسست هذه الأحلاف على أساس أعمالهم التجارية . فقد كانت القوافل إلى اليمن والشام والبلاد الأخرى تتطلب خدمات من عدد كبير من البدو كأدلاء وحراس ورعاة للإبل . . الخ . وقد يدفعون مبلغا من المال لزعيم قبيلة لضمان سلامة المرور في منطقة نفوذه ، أو للحصول على الماء أو أنواع أخرى من الزاد ، وهكذا كانت قبائل البدو تشارك في تجارة مكة ، وسرعان ما عرفوا من أين تؤكل الكتف ، فقد كان رخاء مكة رخاء لهم كما كانت خسارة مكة خسارة لهم ، وقد زاد هذا الشعور بالتكامل مع مكة عمقا بالمصاهرة التي كانت بين زعماء مكة والقبائل المختلفة ، وباشراك زعماء القبائل في تجارات مكة ذات رؤوس الأموال المشتركة . ومن هذا نرى أن القول بأن أهل مكة كانوا يدفعون للرجال ليقاتلوا من أجلهم صحيح إلى حد ما ، ولكن هؤلاء الرجال لم يكونوا بأية حال مرتزقة ، فلا وجه للمقارنة بينهم وبين الحرس السويسرى أو الفرقة الأجنبية الفرنسية مثلا ، فقد كانوا جميعا عربا أحرارا دخلوا في أحلاف واتفاقيات مع قريش على أساس من الندية . وكان زعماء تلك الطائفة الغامضة التي يطلق عليها الأحابيش يعلنون آراءهم صريحة في مواجهة أهل مكة « 1 » ، وعندما هاجم البراد من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة احدى القوافل ، وهي الحادثة التي أدت إلى اشتعال حرب الفجار ، كان لا شك يعلم أن فعله هذا يسير في نفس الخط مع سياسة مكة وأن قريشا سوف تؤيده ، ولكن ربما كان تصرفه هذا نابعا من نفسه ولم يكن تنفيذا لأوامر أهل مكة .

--> ( 1 ) انظر التذييل ؟ أ ، الفقرات : أ ، د ، ج ( المؤلف ) .